أنا صهيونية

تم نشره في الثلاثاء 17 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

هآرتس

عميره هاس  16/5/2016

إن من جعلني أقتنع بالكف عن إزعاج من هاجروا من البلاد والذين يعيشون في نيويورك، هو هاملتون. نعم، الكسندر المهاجر الوحيد في اوساط المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة، والذي ولد العام 1757 خارج إطار الزواج في جزيرة بيم في الكاريبي. وقد شارك في حرب استقلال الكولونياليات وكان وزير المالية الأول للدولة الفتية. وقد قُتل في العام 1804 في مبارزة ثنائية على يد نائب رئيس الولايات المتحدة آرون بار.
"أنا صهيونية"، كنت أقول لأصدقائي في فترة الإزعاج، وهم كانوا ينظرون لي بدهشة وصدمة. "مكانكم في البلاد"، قلت لهم، "نحن بحاجة إلى أدمغتكم وإلى طاقتكم الكامنة والإبداع وشهادات الدكتوراة والملكات والتلهف"، هناك من اعتذر وهناك من قال "لا" بأي شكل من الأشكال. وجميعهم طبعا من الفلسطينيين، وبالتحديد من فلسطينيي 48 وبعض سكان الضفة الغربية.
في يوم الأربعاء الماضي سافرت إلى حي كفينس للالتقاء مع شخصين من هؤلاء اللذين مكانهما في البلاد (أدناه الزوجان الرائعان أ.). وقد نجحت في ضبط نفسي وعدم القول لهما إنه يجب العودة بعد الحصول على شهادة الدكتوراة، لأن الصراع من أجل تفكيك الدموكتاتورية العسكرية بحاجة إليهما. ومن حسن حظهما أننا التقينا بعد أن أوضح لي هاملتون مواقفهما.
لقد ظهر أمامي هاملتون قبل ذلك بيومين أثناء وجبة للعشاء عند أصدقاء. شخصان من الحاضرين كانا من الوسط (أدناه الزوجان الرائعان ب.). في السابق كان هدفي الدائم هو اقناعهما بالعودة إلى الوطن. قرض الاسكان الذي حصلا عليه لشراء شقتهما الصغيرة في منهاتن سينتهي تسديده بعد 30 سنة. وقد عرضا أمامي بفخر فيديو كليب في الهاتف الذكي حيث غنى فيه ابنهما الصغير مقاطع كاملة من الاغنية الاستعراضية الشهيرة الحاصلة على أكبر عدد من الجوائز، "هاملتون"، حيث أن جميع الممثلين هم أفرو ولاتينو أميركيون وهو "يحتفل بالتأثير المهم الذي كان للمهاجرين على تاريخ مدينتنا وبلادنا" (على حد قول نقابلة الفنانين في مدينة نيويورك).
إن الفخر له ما يبرره: إبن العاشرة يغني ويعرض بثقة كاملة، دون تفويت أي كلمة أو أي حرف، مع حركات الأيدي والجسد المطلوبة وبدون مبالغة. وسعادة الأولاد الذين يكتشفون العالم ظهرت على وجهه. وقلت للزوجين الرائعين ب: يصعب رؤية سعادة كهذه على وجوه الأولاد الفلسطينيين الذين يعيشون في الدموكتاتورية الوحيدة في الشرق الأوسط.
من حي استوريا في كفينس ذهبت في الحافلة إلى حي جكسون هايتس، المكان الاكثر تنوعا في العالم من الناحية العرقية، يتحدثون هناك بـ 167 لغة، "الهند الصغيرة" هو اللقب الاول الذي يخطر في البال. كان الوقت مساء، بدأت بالتجول بين الناس والروائح والبسطات من زاوية العين لاحظت عدة رجال يجلسون على شرشف أبيض بوسط الشارع في زقاق جانبي، مغلق أمام السيارات. على رأس واحد منهم طاقية كبيرة، وعندها لاحظت شاشة عرض معلقة على احد البيوت المقابلة حيث احد الشبان يقوم بعرض فيلم.
كان الفيلم صامتا، من عام 1929 بالأبيض والأسود. "الشخص يحمل كاميرا السينما" لـ دجينا فورتوف، الهواة والخبراء كانوا سيقفزون من شدة الانفعال، فورتوف بلغته السينمائية هو من مؤسسي هذا الفن. تصرف الشارع على طبيعته، وكأنه لا يوجد اكثر طبيعية من شرشف موضوع على الاسفلت، ويجلس عليه عدة رجال (زوجين، رجل وامرأة انضما فيما بعد) وعلى الحائط المقابل يعيش العالم السوفياتي الذي كان: من لا بيوت لهم، وعمال تعساء ومتنزهون بلباس جيد، بدون ستالين والحزب، الكثير من الحب للناس. لا يوجد ابطال في الفيلم الطليعي ومن الممكن أنه يوجد ابطال: شخص يحمل كاميرا توثق كيف يوثق حياة مدينة سوفياتية، لا توجد حبكة، ومن الممكن انه توجد حبكة.
بعد حوالي 70 دقيقة، حين اطفئ الضوء، بدأ الجمهور الصغير الذي فوق الشرشف بالمغادرة، الشخص صاحب الطاقية الكبيرة انضم للشخص الذي معهه جهاز البث والذي يبدو انه يهودي ولكن لم استوضح بعد ان كان كذلك (هذا صحيح انه يهودي). يتضح ان هذا المشروع هو للاثنان: انهما يسكنان في الحي. مرة في الاسبوع يبثون فيلم صامت في الزقاق "لانه في هذا الحي" كما قالوا "يوجد الكثير من الاشخاص من اماكن مختلفة، لا يعرفون الانجليزية، والفيلم الصامت هو طريقة للتواصل".
جاء دور الاثنين لتوجيه الاسئلة. وحين اجبت بأنني اكتب عن "الاحتلال" قال صاحب الطاقية شيئا من نوع "اها، انت تقصدين الاحتلال الذي تقوم به منظمات حماس والجهاد". الشاب مع آلة العرض أراد ان يستمع لإجابتي. قلت شيئا، فسمعت صاحب الطاقية يقتبس شيئا من كتاب دعاية لوزارة الخارجية الإسرائيلية او الوكالة اليهودية: "لو أن حماس لا تطلق الصواريخ، لكان هناك سلام". "هل هذا صحيح؟" سأل، "هذه دعاية" قلت. ورددت للمرة التريليون الحقيقة وباختصار. غادرت قائلة: "المهم هو أن تبقيا في كفينس وتستمرا في عملكما المبارك".

التعليق