زليخة أبوريشة

تمكين المرأة أم تمكين الحكومة؟

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2016. 11:05 مـساءً

شكراً للناشطة سهير عزوني التي أعادتني إلى الحراك النسوي المباشر بعد انقطاع عنه طويلٍ. فالمنتدى الوطني للحوار في قضايا المرأة الذي انعقد في نهاية الأسبوع الماضي حول "دعم منظمات المجتمع المدني، الحوار والمشاركة في الأردن" وضعني في خلاصةٍ إيجابيّة لحراك هذا المجتمع، وصورةٍ راقيةٍ من الفهم العميق لقضية المرأة بعيداً عن الخطابة والأحكام القيمية. فمعظم المشاركات كنَّ على درجة من الوعي لم أكن لأجدها عندما كنت ناشطةً في الحراك النسوي المباشر في تسعينيات القرن الماضي. وإذ كان الوعي النسوي (الذي هو بالضرورة نقيضٌ للفكر البطركيّ بكل ثقله التاريخي والأيديولوجي)، إذا كان هذا الوعي آنئذٍ يقتصر على فُرادى من النساء كنّ يشكّلن صورةً نائية عن التعميم، وشديدة الغربةِ عن المجتمع الذكوريّ، فإنَّ ما مثّلتْه نساء المجتمع المدني في هذا اللقاء، كان جريئاً في اختراق ظلمات تتكاثف على واقع اليوم من انعدام الرؤية والبصيرة، والتدحرج السريع للمجتمع في أحضان الفكر الغيبيّ، ومقولاته البائسة.
استمعتُ إلى لغةٍ مستقرّة في المصطلح والفكر النيّر، كانت تبدو في التسعينيات الماضية هرطقةً، ومساساً بقدسيّة اللغة. وأذكرُ عندما استخدمتُ مصطلحات مثل "الجنسويّة" و"النّسويّة" و"الجندر" و"البطركية/ الأبويّة" و"المجتمع الذكوريّ" و"المجتمع الأموميّ"، (وهي مصطلحات أخرجتُها من الكتب إلى فضاء الاستعمال اليوميّ والتأليف والتدريب)، أنني تلقّيت استهجاناتٍ متنوعة، ضاق بها قاموس الصحافة وقاموس البحث العلميّ. حتى أن أستاذاً جامعيّاً هاجمني بمُرّ الهجاء عندما أصدرتُ كتابي "اللغة الغائبة: نحو لغةٍ غير جنسوية" (1996)، ودون أن يقرأه، لمجرّد أن موضوعه في اللغة والمرأة.
وتعرّفت في هذا اللقاء إلى شابات وناشطات وأكاديميات نسوياتٍ نابهات يقدن منظمات من المجتمع المدني، أو ينخرطنَ في أعبائها، هنَّ نتيجة مسارٍ طويل للحركة النسوية التي تمشي نحو مفهوم مركّب للعدالة والتمكين، تتعدى المفهوم الأحادي للمساواة. وقد حرص الملتقى أن تحضر الحكومة هذا التجمّع، فجاء إليه وزيران وعدد من الأمناء العامين أو كبار الموظفين. وما من داع إلى القول إنهم جميعاً لم يكونوا نساءً؛ فهذه هي التركيبة الحكومية والغلبة الذكوريّة. وما من داعٍ أيضاً إلى القول إن اللغة التي استمعنا إليها من الطبقة الرسميّة كانت لغة مغايرة، قديمةً، خطابية، عاطفيّة، تبريريّة، قاتمةً، لا تعد بتغيير، بل لا تجد له من ضرورة، بالرغم من الكلام الإنشائي عن العدالة التي يحقّقها الدستور والقوانين والممارسات للنساء! جاء ذلك بالحرف الواحد من نائب رئيس الوزراء وزير التربية والتعليم، ومن وزير الشؤون السياسية والبرلمانيّة. بمعنىً آخر، وحتى لو كان الوزير رئيساً لمجلس تمكين المرأة الذي لم يجتمع منذ تأسيسه سوى مرتين، فلا يبدو من نيّة حقيقيّة لدى الجهات الرسميّة لتمكين النساء، هؤلاء اللواتي في الصخر ينحتن وجودهنَّ الذكيّ، لأن المكتوب من عنوانه. فلدى تحليل الخطاب الذي ليس على درايةٍ بآلياته معظم مسؤولي هذا البلد، يتبيّن أن المسؤول الأردني يمشي في موضوع المرأة في وادٍ (وهو على أية حالٍ غيرُ ذي زرع)، بينما المرأة بحراكها ووعيها وكذلك عالم التحضُّر البشريّ، في أفقٍ آخر! وحقّاً، علينا أن نعيد تأهيل الرسميين بمن فيهم مسؤولات خفيفات الوزن، اختيرت أسماؤهن ليجملن صورة المحاصصة، دون مضمون ذي معنى. لأنّ المرأة الذكية ذات الوعي والإنجاز تشكّل قلقاً وإزعاجاً لجميع صور القيم الساكنة والتقاليد والأعراف التي تبلغ في العمق مرتبة التقديس.
تحية لنساء الوعي والبسالة.. وبأمثالهن لن نفقد الأمل..!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التغيير آت (ايمن دياب)

    الأربعاء 18 أيار / مايو 2016.
    لن نفقد الامل في تغيير يطال افكار البائسة طالما علا صوت العقل من امثالك ومن تمثلين