كل شيء بدينار

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2016. 12:03 صباحاً

على واجهة العديد من المحال التجارية في عمان وخارجها، تشاهد لافتات جرى تخطيطها بعنابة أو على عجل، كُتب عليها "كل شيء بدينار". إعلان السعر هذا لا يقتصر على محال الملابس والإكسسوارات، بل تجده أحيانا على الزجاج الأمامي لبعض معارض الأدوات المنزلية والمكتبات، وغيرها من المتاجر التي تحوي سلعا منوعة.
السؤال الذي يدور في خلدك وأنت تطالع عشرات اللوحات على امتداد بعض شوارع التصفية، في غرب عمان كما في شرقها، هو كيف يمكن لأي تاجر أن ينجح في جمع مئات السلع والأصناف في متجره، ويُخضعها جميعا لقاعدة السعر الموحد الذي ابتدعه، من دون زيادة أو نقصان؟ وهل يلتزم التجار بفحوى إعلاناتهم، أم أن الإعلان خدعة تنطلي على بعض المتسوقين الذين يمضون نصف أعمارهم وهم يلاحقون العروض ويتصيدون الصفقات؟
بعض التجار يستخدمون اللافتة لاستدراج الزبائن الباحثين عن السلع التي تباع بأقل من قيمها الفعلية. والبعض الآخر يود الخلاص من المهنة التي ظن أنها ستكون الطريق إلى الرفاه والسعادة. والقليل من المعلنين يختارون المواد التي يعرضونها بعناية، ويستخدمون الإعلان كوسيلة لرفع مستوى مبيعاتهم وتحقيق الأرباح التي يرمون إلى تحقيقها. هؤلاء التجار يحصرون تجارتهم في أنواع محددة من السلع، تحقق جميعها هامش الربح الذي يكفل لهم الاستمرار في تجارتهم، بالرغم من إصرارهم على خلق الانطباع بأنهم يقدمونها لزبائنهم بـ"أسعار محروقة" تغري المستهلكين بشراء أضعاف ما يحتاجون إليه.
التسويق تحت شعار "كل شيء بدينار"، له معنى ودلالات تبعث على الثقة. من ذلك، احتفاظ الدينار بقيمته لأكثر من ثلاثة عقود، رغم الأزمات الاقتصادية التي هزت العالم وقادت إلى إفلاس بعض الدول؛ كما تدهور قيمة عملات الكثير من الشركاء التجاريين للأردن، كما حصل في سورية والعراق.
في الأردن اليوم زيادة غير مسبوقة في حجم المعروض للبيع، وندرة في إقبال الناس على الشراء. وعروض البيع تشمل المصانع والمتاجر والمطاعم والشركات والبيوت والأراضي والسيارات والأثاث والكلاب والقطط. فصفحات الجرائد وشاشات التلفزيونات المحلية والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، تزخر بإعلانات البيع، إذ الجميع يعرض خدماته، وقلما تجد من يود الشراء.
الكثير من مشكلات التكدس للسلع والخدمات يعود لعوامل سوء التنظيم وعشوائية منح التراخيص وسياسات الاستقدام والاستخدام. فالغاية من تخويل سلطة التنظيم ومنح التراخيص للبلديات، هي ضمان كفاية المرافق والخدمات للطلب عليها، والحيلولة دون إغراق الأسواق في سلع وخدمات تزيد عن حاجة المجتمع، وتؤدي إلى هدر وضياع الموارد بسبب ذلك.
في عمان، كما بقية المدن والبلدات الأردنية، يفتقر كثير من القائمين على إدارة البلديات والمدن للرؤية التي توجه قراراتهم في منح التراخيص للمحال التجارية؛ فقد تجد عشرة محال خضار وفواكه في شارع واحد، ما يسهم في تدني عائدات هذه المحال، ولربما لجوء أصحابها للمضاربات التي قد تقود إلى إفلاس العديد منها. المحال التجارية والمطاعم ومعظم مراكز الخدمات تتكدس في أماكن، وتنعدم في أخرى.
الحفاظ على موارد المجتمع لا يتحقق من دون تخطيط وتنظيم يستندان إلى معرفة دقيقة بواقع المجتمعات المحلية والكثافة السكانية وحاجتها من السلع والخدمات وتوفيرها بالقدر الكافي. منح التراخيص للمحال التجارية ومراكز الخدمات في الأماكن التي تتوافر فيها مثل هذه المراكز، لا يخدم الاقتصاد، إذ يهدر الموارد، ويسهم في خلق مشكلات اقتصادية واجتماعية نحن في غنى عنها.
لافتات "كل شيء بدينار" أو "المحل برسم البيع"، شواهد على أخطاء ارتكبتها إدارات المدن وسلطات الترخيص التي فشلت في تقديم بيانات دقيقة للمستثمرين عن البيئة الاستثمارية، وبالغت في استخدام سلطتها فمنحت تراخيص لمشروعات لا جدوى من إقامتها.
أتمنى أن يتم تقييم أداء سلطات الترخيص في ضوء نجاح وفشل المشاريع التي قاموا بترخيصها.

التعليق