التحيز الفعلي في "الفيسبوك"

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً
  • موقع التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم "فيسبوك"-(أرشيفية)

"زينب توفكجي"—(نيويورك تايمز)

19/5/2016

ترجمة عبد الرحمن الحسيني

الفيسبوك متحيز. ذلك صحيح. ولكن ليس بالطريقة التي يقول عنها منتقدوه المحافظون.
تعتبر التغذية الإخبارية المفعمة بالقوة لشبكة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" مبرمجة لأن تكون سمّية وسلسة ومبهجة أو مشاكسة. وتلك هي الكيفية التي يعمل وفقها حسابها وكيف تحدد ما يشاهده أكثر من مليار إنسان كل يوم.
ويكمن جذر هذا التحيز في الرياضيات، الطريقة التي يساء فهمها كثيراً لكنها مفعمة بالقوة على نحو متزايد لصنع القرار،  والتي تمتد إلى فضاءات من الأخبار مروراً بالرعاية الصحية فالتوظيف وحتى الحرب.
فالرياضيات في الشؤون الإنسانية هي عموماً برامج حاسوب معقدة تطحن البيانات وتنجز الحسابات وتجعل المحصلات التي ينتقيها المبرمجون أقرب ما تكون إلى الحقيقة.  وهذه الرياضيات ليست ضرباً من الميكانيكية التمحيصية الصرفة التي تفرز إجابات موضوعية استجابة لعمليات حسابية علمية.  كما أنها ليست انعكاساً محضاً لرغبات مبرمجيها.
نحن نستخدم هذه الرياضيات لتمحيص أسئلة لا توجد لها أجوبة صحيحة كبداية؛ وعليه فإننا لا نتوافر حتى على طريقة واضحة المعالم لضبطها أو تصليحها.
كان البحث الحالي للتحيز والفيسبوك قد بدأ هذا الشهر بعد أن ادعى بعض مقاولي الفيسبوك السابقين بأن فقرة "الموضوعات الدارجة" على الفيسبوك أبرزت قصصاً طرحت من جانب فريق صغير من المحررين الذين كان لديهم تحفظ ضد مصادر الأخبار ذات الجناح اليميني.
ولقد أشعل هذا الاقتراح سلسلة من ردود الأفعال وحتى توجيه رسالة من رئيس لجنة التجارة في مجلس الشيوخ الأميركي. ومع ذلك، فإن حجرة الموضوعات الرائجة تعتبر جزءا تافهاً من الموقع وتكون غالباً غير مرئية على الموبايل حيث يستخدم معظم الناس الفيسبوك. وهي ليست تغذية الأخبار التي تضبط من جانب الحساب.
ولغاية الدفاع عن نفسها  أمام الاتهامات بالتحيز الناجمة عن الكشف على "الموضوعات الرائجة" قالت شبكة الفيسبوك إن العملية كانت حيادية وإن القصص طفت على السطح أولاً "من جانب الرياضيات".  ثم دعا مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي، مقدم الراديو غلين بيك وغيره من المحافظين للاجتماع معه.
الاستمرار في قراءة القصة الرئيسية
لكن حجة "طفت على السطح من جانب الرياضيات" لا تعد دفاعاً عن الحيادية لأن الرياضيات في حد ذاتها ليست محايدة.
 وغالباً ما تعرض الرياضيات على أنها امتداد لعلوم طبيعية  مثل الفيزياء أو الأحياء.  وبينما  تستخدم هذه الرياضيات البيانات والحساب والعمليات الحسابية فهي نبع ومعين للتحيز والتشويه- لكن من نوع جديد.
وإذا ترنح جسر وسقط فإننا نشخص ذلك على أنه فشل وخطأ هندسي ونحاول عمل أفضل منه في المرة التالية.  وإذا ما أراك موقع غوغل هذه النتائج
الـ 11 بدلاً من تلك الـ 11 وإذا ما وضع حساب مستأجر السيرة الشخصية لهذا الشخص على رأس ملف وليس ذلك الواحد فمن الذي يقول بالتأكيد ما هو الصحيح وما هو الخطأ. ومن دون قوانين الطبيعة لتثبيتها فإن الرياضيات المستخدمة في  صنع هذا القرار الذاتي لا تستطيع أن تكون محايدة أو موضوعية أو علمية بحق أبداً.
إلى ذلك، لا يتنبأ المبرمجون وغالباً لا يستطيعون التنبؤ بماذا ستفعل برامجهم. ولا يغيب عن البال أن خدمات غوغل في الانترنت تتكون من بلايين الخطوط الرمزية.  ومتى ما  أطلق العنان لهذه الرياضيات مع عدد ضخم من الأجزاء المتحركة فإنها عندئذٍ تتفاعل مع العالم وتتعلم وتصدر ردود فعل.  ولا تكون التداعيات سهلة للتنبؤ بها.
كما أن طرقنا الحسابية تصبح أيضاً أكثر غموضاً.  ويعتبر التعليم بواسطة الماكينة تكنيكا منتشرا بوتيرة سريعة يسمح للحواسيب بأن تتعلم بشكل مستقل كيف تتعلم- تقريباً كما نفعل كآدميين- عبر التحرك باهتياج من خلال  البيانات الوفيرة غير المنظمة بما فيها البيانات التي نولدها في بيئات رقمية.
ومع ذلك، وبينما نعرف الآن كيف نجعل الآلات تتعلم فإننا لا نعرف  فعلاً ما هي المعرفة التي كسبناها بالضبط. ولو عرفنا فإننا لا نحتاجها لتعلم أشياء بنفسها؛ ذلك أننا نبرمج الطريقة مباشرة.
ومع الرياضيات فإننا  لا نتوافر على انفراج هندسي يجعل الحياة أكثر دقة لكن ثمة البلايين من أشباه الحكماء والفرانكشتاينيين الصغار الذين يتوافرون غالباً على  خبرة ضيقة لكن عميقة لم نعد نفهمها يقدمون أجوبة هنا وهناك لأسئلة لا نستطيع الحكم عليها عبر الأرقام وكل ذلك تحت عباءة الموضوعية والعلوم.
وإذا كانت هذه الرياضيات لا تحتسب الأجوبة بطريقة علمية على أسئلة صحيحة وموضوعية، فما الذي تفعله؟ غالباً تجعل الناتج أقرب ما يكون إلى الأطر التي تختارها الشركة بشكل حاسم تحت ظروف تؤطر من جانب الشركة أيضاً.  ويكون الهدف على الفيسبوك هو رفع حجم انخراطك مع الموقع والمحافظة على الموقع صديقا.  وتستطيع بسهولة أن تنقر على "لايك" على سبيل المثال، لكن ليس هناك بعد زر تحد. وهي كانت قصة لكنها مهمة.
هذا التشكيل بدلاً من الاعتقادات الشخصية المخفية للمبرمجين هو المكان، حيث الانحيازات الشائكة  تزحف إلى داخل الرياضيات؛ ولذلك فإنها تلقى الإطراء على الوجه الأكمل. وعلى القوى العاملة في الفيسبوك أن تكون ليبرالية وأن يكون الموقع الموصل مفعماً بالقوة للأفكار المحافظة بالإضافة إلى نظريات المؤامرة والبلاغات الكاذبة على طول مع قصص مبهجة ونقاشات رزينة.  وفي الحقيقة، على الفيسبوك يؤدي دونالد ترامب أفضل من أداء أي مرشح آخر بينما تصبح النظريات المعادية للتطعيم مثل تلك التي يروج لها السيد بيك سمية.
ويقيم حساب تغذية الأخبار أيضاً التعليقات والمشاركات. وكل هذا يناسب المحتوى المصمم لتوليد إما إحساس بسعادة غامرة أو غضب أخلاقي ويمضي سمياً والبلاغات الكاذبة والمؤامرات والإعلانات السعيدة (التي يمكن أن تحب) والأخبار والمباحثات المهمة.  ويظهر بحث الفيسبوك الخاص أن الخيارات التي يصنعها حسابها يمكن أن تؤثر على مزاج الناس وحتى من الممكن أن تؤثر على الانتخابات عبر تشكيل الإقبال على التصويت.
على سبيل المثال في آب (أغسطس) 2014 وجد تحليلي أن رياضيات تغذية أخبار الفيسبوك غطت على نحو ضخم أخبار الاحتجاجات على اغتيال مايكل براون بيد ضابط شرطة في فيرغسون بولاية مينيسوتا، ربما لأن القصة كانت غير قابلة لـ"لايك" وحتى صعبة للتعليق عليها.  ومن دون لايكات أو تعليقات أظهرت الرياضيات إرساليات فيرغسون لقليل من الأشخاص، ما ولّد حتى عددا أقل من اللايكات وسط  صمت من الرياضيات.  وبدت القصة ونأنها انتشرت فقط بعد أن أعرب العديد من الناس عن غضبهم من منصة تويتر غير المفلترة رياضياً ما أجبر في النهاية على دفع الأخبار للبروز.
من جهتهم، يحب عمالقة البرامج منا الاعتقاد بأن رياضياتهم موضوعية ومحايدة بحيث يتفادون تحمل المسؤولية عن قوتهم الضخمة كبوابات، بينما يحافظون على جمهور ضخم قدر الإمكان. وبالطبع، تواجه منظمات الإعلام التقليدي ضغوطات شديدة لإنماء جماهير واستضافة إعلانات. ومع ذلك، وعلى الأقل يعرف المستهلكون أن إعلام الأخبار لا ينتج بطريقة "محايدة" أو فوق الانتقاد بينما تحاول شبكة برمتها- من مراقبي الإعلام إلى المحررين العموميين-تحميل تلك المؤسسات المسؤولية.
ولعل أول خطوة قدماً للأمام بالنسبة لفيسبوك وأي جهة تستخدم الرياضيات في صنع قرار ذاتي تكمن في إسقاط الإدعاء بأنها محايدة.  وحتى غوغل التي يستطيع تصنيفها الرياضي المفعم بالقوة وتقرير مصير  شركات أو ساسة عبر تغيير نتائج البحث، تعرّف رياضيات البحث لديها بأنها "برامج كمبيوتر تتطلع إلى مفاتيح لتعطيك ما تريده بالضبط".
لكن هذا ليس بالضبط كل ما نريده.  فما يعرض علينا يشكل من جانب هذه الرياضيات التي تشكَّل من جانب ما تريده الشركات منا، وليس ثمة شيء محايد في ذلك.

* بروفيسور مساعد في كلية الإعلام وعلوم المكتبات في جامعة كارولاينا الشمالية وهي كاتبة رأي مساهمة.
نشرت هذه القراءة تحت عنوان The Real Bias Built In At Facebook

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق