حنان كامل الشيخ

من تحت السيطرة؟

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً

الإعلان الذي صدر عن وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية الدكتورة غادة والي، بخصوص رصد مليون جنيه مكافأة للعمل الدرامي الرمضاني الخالي من مشاهد المخدرات، يفتح الباب على مصراعيه على قضية دور الثقافة والإعلام في تشكيل الحياة اليومية للمواطن العربي. ليس في تشكيلها الحاضر وحسب، بل ورسم خطوط صورتها المقبلة أيضا.
وهو دور لا يختلف عليه عاقلان اثنان، حتى مع الأصوات التي تردد بتراجع الهيمنة الإعلامية والفنية، بأدواتها التي أصبحت تقليدية، على الواقع الثقافي العربي، بسبب تداخل العناصر التكنولوجية الحديثة، والارتباك في التعاطي مع أزرارها السهلة الكثيرة والمغرية.
لا شك وأن التلفزيون تحديدا كأداة إعلامية وتثقيفية تعد تقليدية نوعا ما، استطاع حتى اليوم أن يصمد أمام الشاشات المسطحة الجديدة، ونافس أيضا في طروحاته المقدمة، مستفيدا من التكنولوجيا ليطور من ذاته تلقائيا بما يتناسب مع الحاجة إلى استخدامه. هذا التبدل السريع في شكل الشاشة، ومواكبتها للحداثة والتطور، حافظ على دور التلفزيون كأداة ليست سهلة أبدا، في احتلالها الجميل والواثق لأهم جدار في غرفة المعيشة؛ حيث تتوزع أمامه مقاعد الأسرة بتراتبية مقصودة، تتناسب طرديا مع أهمية أفرادها، الأهم ثم المهم وبعده الأقل أهمية!
قرار الوزيرة المصرية الغريب حتى على المجتمع المصري، جاء تحديدا بعد الإعلان عن الكم الهائل من الأعمال الدرامية الرمضانية لهذا العام، والتي وكما يبدو، حاولت أن تتماهى مع النجاح منقطع النظير لمسلسل “تحت السيطرة” الذي عرض في الموسم الرمضاني السابق، محققا نسب مشاهدة غير مسبوقة على المستويين المصري والعربي. وهو قرار اتخذته الوزارة التي تأخذ على عاتقها رعاية جميع فئات المجتمع المصري، ومراعاة البعد الاجتماعي والأنشطة المختلفة، لخدمة المواطن والاهتمام به، كما جاء بتعريف الوزارة عن نفسها في موقعها الالكتروني.
وهنا يكمن السؤال، هل من الأسلم كمراعاة للبعد الاجتماعي للأنشطة الثقافية والإعلامية، أن يتم حجب الصورة نهائيا عن الشاشة التي تحتل الجدار، أم الأجدى أن تملأ الحقيقة أركانها حتى لتخرج منها، فتسيل على الحائط والأرضية والسجاد، كما حدث مع المسلسل الشهير؟ والسؤال الثاني، هل فعلا نقل الواقع، وهو واقع بلا شك ولا جدال في ذلك، سيهيمن على الصورة النمطية، بحيث تصبح واقعا متقبلا، ولو كان مكروها ومنبوذا، أم الأسلم هو دفن الرؤوس في الرمال، لإظهار جماليات ريش النعام وهو يملأ المشهد ما فوق سطح الأرض؟
شخصيا، لست مع إخفاء الحقيقة أبدا، خصوصا وأنني قادمة من مدرسة الصحافة والإعلام، ولكنني في الوقت ذاته أؤمن بأن للدراما والثقافة بالعموم، دورا مهما جدا يكمن في قيمة للأسف أصبحت منسية ومهملة، وهي الترفيه، وليس نقل الواقع المعاش حرفيا؛ حيث يهرب الإنسان إليها كملجأ يريد أن يبتعد من خلاله عن هذا الواقع، ليخرج منها بقوة متجددة تعينه على الاستمرار. إنما وبسبب تداخل وتدخل أصحاب المدارس الواقعية في الثقافة، مع غيرهم من الكلاسيكيين الأوائل، وتغلبهم عليهم في معظم جولات النزال، جعل من هذا الدور مستكينا خاضعا لفكرة نقل الحياة كما هي على الشاشات والمسارح، ببشاعتها قبل جمالها، لتواجه المشاهدين بحقيقتهم، وتعالجهم بالصدمة الساخنة، أو الباردة سيان.
ربما نجح هؤلاء في مساعيهم الأخلاقية، إن كانت فعلا صادرة عن كتاب ومخرجين ومنتجين خلوقين وأصحاب رسالة محترمة، وليس كما كثيرين من المنتفعين المجردين من الأخلاق، الساعين إلى تشويه الحاضر والمستقبل مع سبق الإصرار والترصد. إنما هذا لا يتنافى مع حاجة المتلقين لفسحة من الهدوء والسكينة، ما بين الحين والآخر، وليس أدل على ذلك من النجاح بل والاكتساح الذي تحققه بعض الأعمال الفنية، البعيدة تماما عن بشاعات الواقع المعاش وأمراض المجتمع الحديث. أذكر في هذا المقام مثلا فيلم “هيبتا” كإحدى تلك الهدنات، والذي حقق ايرادات غير مسبوقة في السينما المصرية، رغم أنه يتسم بعناصر هادئة جدا تتحدث جميعها عن قيمة لطيفة أيضا، اسمها الحب!

التعليق