نزوح ولجوء إلى متى؟

تم نشره في الأربعاء 25 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً
  • لقطة من مخيم الزعتري للاجئين السوريين - (تصوير محمد أبوغوش)

محمد الشواهين

في تاريخنا المعاصر، تعوّدنا أن نشهد عمليات لجوء أفراد وجماعات من هنا وهناك. وهذه الظاهرة تبدت واضحة العام 1948، عندما قامت العصابات الصهيونية بمهاجمة المدن والقرى الفلسطينية، فاضطر الناجون من الفلسطينيين إلى ترك بيوتهم واللجوء إلى أقرب مكان يعتقدون أنه أكثر أمنا. لكن ما إن يستقروا في مكان حتى تقوم تلك العصابات بالهجوم من جديد على أماكن وجودهم، بهدف التوسع واغتصاب المزيد من الأرض. فتشرد أهلها ومن لجأ إليها من قرى أخرى، من مكان لآخر على هذا المنوال، حتى أقيمت مخيمات اللجوء الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة وفي الدول المجاورة، كالأردن وسورية ولبنان. وما تزال هذه المخيمات قائمة.
ما أود أن أنوه إليه، وأشير إليه بكل وضوح، هو أن هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين مارسوا اللجوء أكثر من مرة؛ بسبب العصابات الصهيونية لاسيما في العامين 1948 و1967، ثم في وقت متأخرعلى أيدي قوات عربية، كما هي الحال حالياا في سورية وقبلها العراق.
لكن الأمر اليوم، كما هو واضح للعيان، لم يعد يقتصر على الفلسطينيين. فبعد قيام ما أطلق عليه "الربيع العربي"، تفاقمت الأوضاع سوءا في دول عربية. ففي العراق كانت البداية، ثم في وقت لاحق سورية. إذ ثمة عراقيون نزحوا من العراق بعد الاحتلال الأميركي، وإسقاط نظامه بالقوة الحربية، فكان للأردن حصة الأسد من استقبال اللاجئين العراقيين، لاسيما بعد ظهور الفتنة الطائفية وتغذيتها من قبل نظام الولي الفقيه تبعا لمصالحه، كما الاحتلال الأميركي الذي راح يعمل على تقسيم العراق بين الشيعة والسنة والأكراد، إذكاء للفتنة الطائفية التي ما تزال نتائجها واضحة للعيان حتى يومنا هذا. لكن لا بد أن نشير أن مأساة العراقيين على شراستها، هي أقل مما يعانيه الأشقاء السوريون من ويلات الحرب والقتل والدمار الذي تلحقه قوات بشار الأسد وشبيحته ومقاتلي حزب الله، أضف إلى ذلك التدخل الروسي الذي راح يدك المدن والقرى السورية ومخيمات اللجوء بطائراته الحربية التي تملك ترسانة وتقنية تفوق التصور والخيال، ما دفع بمئات الآلاف من الناجين السوريين إلى ترك مدنهم وقراهم ليتشردوا في كل بقاع الدنيا، هربا من القتل والموت؛ فمن لم يمت بسلاح بشار، يموت بسلاح حزب الله الذي ينفذ تعليمات حكام إيران وساستها، أو بقنابل وصواريخ الطائرات الروسية الذين يجربون أسلحتهم الفتاكة على أناس مغلوبين على أمرهم، لا حول لهم ولا قوة.
الأردن مشكور أنه استقبل ما يقارب مليون ونصف المليون من الأشقاء السوريين، الذين نجوا من أدوات النظام للقتل والبطش من البر والبحر والجو، فبراميله المتفجرة تنهمر يوميا على رؤوس الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ، ورائحة الموت والأشلاء تجدها في كل مكان في سورية.
واليوم في العراق، وبحجة محاربة تنظيم "داعش"، راحت مليشيات حاقدة تفتك بالمواطنين العراقيين السُنّة. وهؤلاء المواطنون السُنّة سبق أن تم تهجيرهم، ثم عادوا، ثم نزحوا من قوة نيران المتحاربين، ثم حوصروا؛ فقتل منهم من قُتل، وهاجر منهم من هاجر. ونفس المصير يلقاه أشقاؤنا السوريون الذين لم يعودوا يعلمون إلى أي بقعة يلجأون، ومن بعدها أين ستحط بهم رحال النزوح والتهجير واللجوء.
إنها كارثة على هؤلاء المهجرين، ومهزلة من قبل الدول الكبرى صاحبة الحل والعقد، التي تتلاعب بحياة ومصير هذه الشعوب التي تُقتل في بيتها وعلى فراشها ولا تدري من قاتلها أو لماذا يقتلونها. والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى ستستمر هذه الحال التي لا تسر صديقا ولا تُرضي ضميرا؟!

التعليق