مكتبات مدارسنا البائسة

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

في عرف وزارة التربية والتعليم، ثمة شيء اسمه مكتبة مدرسية، يعين لها عادة أمين مكتبة، وهو أدنى مرتبة من المعلم، في الهيكل الوظيفي للوزارة.
تلقيت دراستي في رحاب مدرستين، وكنت أرى المكتبة في أروقتها -وأنا الشغوف بالقراءة، لكن لا حيلة لي باقتناء الكتب- مغلّقة الأبواب، وحين شكوت لمدير المدرسة أمر إغلاق المكتبة المدرسية، سخر مني وقال لي "بلا قراية بلا بطيخ".
المهم، أن أمين المكتبة غالبا ما يكون غير مؤهل لهذه المهمة، يقضي وقته في الفراغ، ودائما يجلس في غرفة المعلمين، وهو بالضرورة غير معني بالمكتبة ولا بالكتب، إلا يوم الجرد السنوي لتسليم العهدة. هذه صورة انطباعية ولا يمكن أن تعمم، لكنها تغلب على مشهد أمناء المكتبات.
زرت مكتبات مدارس، بضع مرات، وسألت عما تحتويه، وتسنى لي أن أعرف بعضا من محتوياتها، وتعرفت عن كثب على دور أمين المكتبة، الذي غالبا ما يمتنع عن فتح المكتبة وإعارة الكتب للطلبة، بذريعة ما قد تتعرض له من ضياع وإهمال، يحسب عليه يوم الجرد العظيم.
المكتبة المدرسية على ما قرأت في سيرة بعض عباقرة التاريخ المعاصر، مدتهم بمفاتيح المعرفة، وغيرت حياتهم، وجعلتهم أسماء لامعة في العلوم والآداب والفنون، لكنها في عرف وزارة التربية، مجرد غرفة مهملة، ينتهكها الغبار، لها موظف يسمى أمين مكتبة، يحكم إغلاقها، وغير معني أساسا بالقراءة والمعرفة، إلا من رحم ربي، مستندا بقصور أدائه على قصور الطلبة في التعاطي مع المكتبة واستعارة الكتب، مع أنه لم يجرب ولم يبتكر أي طريقة لتشجيعهم على القراءة والاستعارة.
أما وزارة التربية، التي تعين أمناء المكتبات وفق شواغرها والواسطات التي تلقي بهذا الرجل أو تلك الرجلة، أمينا لمكتبة، فتعلم يقينا أن أمناء المكتبات لا وظيفة لهم غير جرد المكتبة، ولا برامج حيوية يمكنها تعزيز قدرات الطلبة للقراءة وفقها.
كما علينا قبل أن نكون قساة جدا على وضع مكتبات مدارسنا، التي لم يتنطح أي من خبراء التعليم للحديث عنها في خضم ما يجري من كلام حول تحديث التعليم الوطني، أن نسأل عن محتويات هذه المكتبات.
في إحدى المرات، رأيت رفوف مكتبة مدرسية -وكالعادة هزيلة- تحوي مجلدات يحتاجها فقط المتخصصون، ولا يمكن أن تكون في مكتبة  مدرسية، ورغم ذلك فإن هذه المجلدات لم يمسسها أحد.
نعم، وزراة التربية، لا تولي أهمية للقراءة الحرة، ولا للمطالعة، ولا لحصة المكتبة، فهذه الحصة إن لم تزل موجودة في برامج المدارس، هي عبارة عن حصة تشميس للطلبة يخرجون للساحة، ويقضون وقتها في اللهو، بينما أمين المكتبة منشغل بترتيب برنامج الجمعية المالية للمعلمين.
والأمر المثير للدهشة، أن ميزانيات هذه المكتبات في عرف الوزارة لا تقارن بميزانية سفرة موظف منها لحضور مؤتمر خارج البلاد.
ولعلنا نتذكر في زمن ولى، ما كانت تقدم عليه وزارة التربية، من إقامة مسابقة سنوية لأوائل المطالعين، فأين ذهبت هذه المسابقة التي كانت مكتبات المدارس ترفدها سنويا بطلبة وطالبات متفوقين في المطالعة.. أين؟
للحقيقة، ما تشهدة مدارسنا من إهمال لدور المكتبة، انعكس بوجه عام على واقع المدرسة التي أصبحت مساحة العنف المدرسي فيها، أكبر مما كانت عليه سابقا، وتحولت فيه فكرة القراءة إلى مجرد رغبة حالمة لأشخاص يأملون بإصلاح التعليم، لا كما نرى ونسمع ونتذوق بمرارة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مكتبتي التي كنت اعتز بها. (محمد سامي)

    الأحد 29 أيار / مايو 2016.
    لم استطع و انا اقرأ المقال الا ان اذكر مكتبة مدرستي الحكوميه ( القرطبي الثانويه) في الزرقاء في التسعينات و كم كانت غنية و مرتبه و منظمه و مشرعة الابواب للقراءة و الاستعاره طوال سنوات دراستي, و ان اذكر بالشكر هنا استاذي و امينها في ذلك الوقت الفنان التشكيلي الاستاذ حسين دعسه. جزاه الله عن كل حرف قرأناه فيها كل خير.