حنان كامل الشيخ

معالي وزير العدالة!

تم نشره في الاثنين 30 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً

المطالبات الكوميدية في تعيين حقيبة وزارية للسعادة، لا تعكس حالة السخرية الشديدة التي تسود أجواء الشارع الأردني فحسب، بل هي إسقاط سياسي اجتماعي على الأوضاع المزرية التي وصل إليها حال الشعب، فيما يخص قوت يومه وأولويات عيشه والتي كان لا ينقصها إلا رشة سعادة، فوق الحلوى اللذيذة الجميلة المعدة باتقان!
ففي تقرير جريدة “الغد” أمس حول رصد ردود فعل الشارع، من خلال مواقع التواصل الإجتماعي، الذي أعدته الزميلة غادة الشيخ، كان ملفتا التذكير بهذه الوزارة من قبل الناس، وهم أنفسهم من سخروا من فكرة استحداثها وفوجئوا ربما من وجود هكذا عناوين، تعود للحقائب الحكومية والتي من شأنها الأساسي، تسلم حقائب السياسة والمال والإعلام والخدمات.
ولكن ومجرد التلويح بالمطالبة الإستهزائية من الواقع المعاش، تجعلنا نتخيل وبأصوات ضحكات مكتومة، المكان الذي سيقف عليه معالي وزير السعادة بالضبط، حين يأتي لقسم اليمين. ربما “سيحتاس” في القاعة المهيبة ويبحث عن مساحة خالية ما بين معالي الوزراء، تتسع لقامته وبذلته وابتسامته التي يجب أن تظهر في الصورة الأخيرة.
تجعلنا نتذكر دورات التنمية البشرية، وحصص تقوية وتنشيط الإيجابيات في النفس، التي سادت موضتها السنوات الفائتة، بسبب الحاجة الماسة إليها من قبل شريحة من الشعب، تستطيع تحمل تكاليف هذه الدورات، التي تبث الطاقة الإيجابية في جنبات قاعات المحاضرات، فيما البقية من الناس والذين يرون أن رغيف العيش وكيلو الدجاج، أهم مصدر لتلك الطاقة، فلهم الله!
فتماما كمن يرش على الموت سكرا، تأتي هذه الفذلكات من قبل أناس جربوا كل أنواع السعادة المحسوسة، ولم تكف طموحاتهم ووجدانياتهم، فقرروا استحداث منابع مالاورائية، ينكشون فيها على أحجار دفينة، غالبا هي منقولة وملصقة عن مواقع أجنبية، خدمت هذه الفكرة منذ سنوات بعيدة وهي تبحث هي الأخرى عن أسباب السعادة. أتحدث طبعا عن استشراء مثل تلك الدورات من قبل أناس غير مختصين، ولكنهم يعتقدون بأنهم أصحاب اختصاص في نشر الطاقة الإيجابية ما بين فئات شعبية، تبحث جديا عن تقبل واقعها، وليس الهروب منه كما يحلو لهم أن يفعلوا معهم، حتى ليصلوا بهم إلى حالة انسلاخ تام عن الحقيقة الراسخة في كل مكان حولهم.
السعادة؟ ولو أنها طفت على السطح كمسمى وزاري جديد في بعض الدول الخليجية، والتي من حقها أن تقرر بأنها وصلت مع شعوبها إلى أقصى درجات الرضا والاقتناع، فمن حقها أن تقفز بهم إلى مؤشر أعلى، إنما في دول مثل التي تخصنا، تتراجع فيها تلك الدرجات بل وتتقهقر معدلات الرضا والقناعة، أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا و”حرياتيا”، إلى الحد الذي بات فيه موضوع الرضا هذا، رفاه ودلالا، فهذا بالتأكيد سيستوجب اختراع وزارة خاصة به، اسمها وزارة الرضا!
نحن إن كنا بحاجة إلى مفاجأة حقيقية، فستكون على شكل حقيبة وزارية للعدالة بدون موظفين ولا مبنى ولا مصروفات يومية بائسة، له مقعد في كل وزارة على باب كل موظف برتبة وزير، يراقب الداخل والخارج من قرارات التعيين والتطمين والتسمين والتمتين و”التفنين”!
ويوزع الأدوار كما يجب أن يتم التوزيع، بعدالة. ويحاسب الكبار قبل الصغار، على تقصيرهم وأخطائهم وتهربهم، الحقوقي والضريبي والوظيفي، بعدالة. يقف أمام جموح السيطرات على ما تبقى من مقدراتنا الصغيرة، ويقف بقوة العدل أمامهم يكبح جماحهم وجوعهم، للقمة عيش الوطن.
لكن السؤال الكبير، من يقدم على قبول مثل تلك الحقيبة الثقيلة، ويتورع على قسم اليمين أمام بقية الوزراء، وهو ينظر إلى عيونهم مباشرة، دون أن يرف له جفن.

التعليق