رنا الصبّاغ

حظا طيبا للملقي!

تم نشره في الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً


يصعب حسد د. هاني الملقي وفريقه القديم المطعّم بعدد من الوزراء الجدد، على التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة الملقاة على كواهلهم، أمام شعب يكافح للبقاء فوق خط الفقر، ووسط إقليم ملتهب تعاد رسم خرائطه على وقع تعمق التشظيات المذهبية والطائفية واشتداد لعبة تقاسم النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
د. الملقي؛ الدبلوماسي/السياسي/ الأكاديمي القادم من "رحم السيستم"، ورث تركة اقتصادية شائكة من سلفه د. عبدالله النسور الذي توترت علاقته بالقطاع الخاص، بينما وقف عاجزا أمام تصاعد المديونية الزنبركي صوب 93 % من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بـ27 مليار دينار.
على رأس مهام د. الملقي الآن، ضمان إجراء انتخابات نيابية في أيلول (سبتمبر) المقبل، يريدها الملك وعديد مواطنين نزيهة وشفافة، تحسّن من نوعية العمل الرقابي والتشريعي، وربما تعبّد الطريق نحو تشكيل حكومات نيابية بعد دورتين.
كما عليه التحرك عربيا لتعزيز التعاون الاقتصادي، خصوصا مع السعودية، ومأسسة العلاقة الاستثمارية والاقتصادية معها بعد إنشاء صندوق الاستثمار المشترك.
وعليه ترجمة استحقاقات مؤتمر لندن للمانحين، والذي عُقد في آذار (مارس) الماضي، وما ترتب على الأردن من التزامات دولية تجاه اللاجئين السوريين؛ من توفير فرص عمل وتعليم ورعاية صحية، مقابل وعود بدعم مالي، وإقامة مناطق تنموية، وتسهيل دخول منتجات أردنية للأسواق الأوروبية.
وفوق ذلك كلّه، عليه الاتفاق مع صندوق النقدي الدولي على تمديد برنامج تصحيح اقتصادي تدفع ثمنه غالبية الشعب المسحوق، بما هو (الاتفاق) "كارت بلانش" لطرق أبواب الدول المانحة وصناديق الإقراض.
فما هي فرص نجاح د. الملقي أمام أكوام التحديات قبل أن تنجلي الصورة؛ فيما إذا كان سيمنح الفرصة ذاتها التي حصل عليها د. النسور، بإعادة تشكيل الحكومة وفق مبدأ "4 في 4" مع مجلس النواب الثامن عشر، إن حاز على ثقة صاحب القرار خلال المرحلة الانتقالية، وتعامل بحنكة مع هذه التحديات؟
ثمّة بقعة ضوء وسط  فضاء معتم. إذ ستعمل الحكومة لأربعة أشهر في حل من ضغوط السلطة التشريعية وابتزاز بعض أعضائها. وفي البال معركة كسر العظم بين د. النسور ورئيس المجلس النيابي المنحل عاطف الطراونة، وتداعياتها على المشهد السياسي المحتقن. تلك المنازلة ساهمت في تعرية "النيابي" قبل أن يتوصل تقرير برنامج مراقبة أداء المجالس المنتخبة "راصد"، يوم الأحد الماضي، إلى أن المجلس السابع عشر كان "بلا رقابة ومجلس المقاعد الفارغة".
د. الملقي احتفظ بعدد كبير من أعضاء الفريق الوزاري السابق ممن تركوا بصماتهم. وهم سيعملون اليوم بإشراف د. جواد العناني؛ الرجل السياسي-الاقتصادي، وإن كان جزءا من الحكومات التي أدارت اقتصاد الماضي ولم تفلح كثيرا في معالجة التحديات المالية والبنيوية للاقتصاد.
تستكمل الحكومة بنود الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي حول برنامج التسهيل الائتماني لثلاث سنوات. وهي تحتاج لحنكة وأعصاب حديدية لاقتراض مليار دولار، مع أن من شروط "الصندوق" خفض المديونية إلى 83 % من الناتج المحلي الإجمالي. ومن دون بركة "الصندوق"، لن تنال الحكومة التسهيلات التي طالبت بها ضمن وثيقة "وعد الأردن" في مؤتمر لندن.
كل دعم بات مشروطا
لكن شروط الاتفاق الجديد ستكون أصعب من سابقه الذي دام أربع سنوات. ونحتاج معجزة لتخفيض المديونية في ظل تواضع معدلات النمو الاقتصادي؛ 2.8 % مقابل نمو منشود بين 7 و8 % لتحقيق هذا الهدف. وثمّة وصفات علقمية ستتجرعها الحكومة والمواطن لتخفيض النفقات، عبر إلغاء أو تخفيض "دعم" المياه والكهرباء والخبز والشعير عن شرائح محدودي الدخل. وكذلك تقليص الجهاز البيروقراطي لوقف نزف المعاشات والتقاعد، ولجم التهرب الضريبي من خلال إجراءات رادعة.
كلفة هذه الإجراءات ستكون مرتفعة مجتمعيا، وإن كانت قناعة أصحاب القرار أن غالبية الشعب لن تتململ على نحو قد يهدد الأمن والاستقرار، وفي البال تجارب سورية وليبيا واليمن، وحال عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في مصر.
على أن الوضع المالي والاقتصادي أردنياً وصل منعطفا حرجا. ولا مجال للاستمرار في الانفاق غير المجدي أو التوسع في إطلاق مشاريع "فشخرة" تعدّت الخطوط الحمراء، من دون قيمة مضافة للمواطن المسحوق.
أيضاً، على الحكومة دعم الهيئة المستقلة للانتخاب، الموكل إليها دستوريا إدارة عملية الاقتراع. لكن الجهتين لن تتحملا مسؤولية نتائج انتخابات رسمت حدودها مسبقا وفق قانون حسنته الرئيسة أنه وأد نظام "الصوت الواحد المجزوء" (المعمول به منذ العام 1993)، واستبدله بنظام القائمة النسبية المفتوحة.
مع ذلك، يتوقع ساسة وحزبيون أن لا يختلف الأثر السياسي عن القانون السابق؛ فكلاهما يحصران تشكيل السلوك الانتخابي بالاعتبارات الاجتماعية وسط ضعف الحياة الحزبية. كما يستبعد أن يحصد التيار الإسلامي، بعد تفككه، أكثر من 15 مقعدا في مجلس النواب المقبل.
ويتوقع أن تفرز الانتخابات مجلسا "باهتا" من دون هوية واضحة، لأن القانون الجديد لا يهيئ الطريق لنجاح أكثر من مترشح ضمن قوائم ستتشكل من تكتل أفراد يجمعهم فكر سياسي، أو تجانس اجتماعي أو خلفية حزبية، وفق ما يرى ساسة على جبهتي الموالاة والمعارضة. فالكتل والتجمعات قد تساهم في رسم انطباعات عن تأثير الأحزاب والتكتلات، لكن نفوذها سيكون محدودا لأن تركيبتها ستتغير وتتفكك حسب الموقف.
تمويل الحملات الانتخابية سيكون مكلفا في الأجواء الاقتصادية الضاغطة. يعني ذلك أن الطريق ستكون مفتوحة أمام ترشح رؤوس أموال تطمح إلى لعب دور سياسي أو الانضمام لنادي السلطة على حساب أصحاب الرؤى والمواقف المبدئية.
أما صوت المواطن، فسيمنح غالبا على أساس اعتبارات ضيقة جدا، لأنه بات يدرك أن لا قدرة فعلية للمجلس على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي.
ألم يقل الأولون: "الفساد يبدأ بسرقة أسواق الناخبين، وينتهي بسرقة أحلامهم"؟
أما التعاون الاقتصادي مع السعودية، فالمفتاح ليس بيد الحكومة الحالية أو السابقة. دور الحكومة الوحيد كان تسريع إقرار قانون الصندوق الاستثماري الأردني الإشكالي.
وفيما يتصل بمتابعات مؤتمر لندن، يتوقع أن يعمل الأردن والدول المانحة وفق قاعدة "تبادل المنافع"، لاستكمال الاتفاق وما يترتب عليه من التزامات متبادلة.
وقد تتفهم الدول المانحة أي تأخير في إلحاق مزيد من العمال السوريين بالمهن المسموح لهم العمل فيها. وحتى الآن، وصل الرقم إلى 8000 عامل من بين 50 ألف فرصة عمل وعدت الحكومة المانحين بتأمينها للسوريين خلال العام الأول. ويتوقع تغيير قواعد ولوج المنتجات الأردنية للسوق الأوروبية من مناطق اقتصادية محددة خلال شهرين، ما يفتح فرصا جديدة أمام بعض الصناعات الأردنية، المحاصرة في الإقليم في ضوء إغلاق الحدود مع سورية والعراق، وتعقيدات عبور السعودية إلى سائر دول الخليج الأخرى.
إذن، د. الملقي وحكومته في سباق مع الزمن، على أمل إحداث انفراجات، بالاتكاء على الخبرات المتنوعة للفريق الوزاري. وفي حال نجح الرئيس بوضع ملامح لخطة انعاش اقتصادي طال انتظارها، وبمآلات واضحة، كما إجراء انتخابات بشفافية ونزاهة، يكون قد عزّز من فرص مواصلة مشواره في "الدوار الرابع"، مدفوعا هذه المرة بثقة نيابية.
ما تحققه حكومة الملقي سيسجل في رصيدها ويقوّي من فرص استمرارها بعد الانتخابات. الأهم أن لا تعد الشعب بما لا تستطيع تنفيذه، أو تمد يدها إلى جيوب الفقراء لرقع "فتق" الموازنة.

التعليق