إسرائيل: مُستعمِر في طور السقوط

تم نشره في السبت 11 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً
  • رسوم عن قمع الاحتلال الإسرائيلي على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي – (أرشيفية)

ذاكر أحمد مايت * – (ذا بالستاين كرونيكل) 2/9/6/2016

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في كثير من الأحيان، يكون من السهل امتصاص المرء إلى الجيوسياسات المبتذلة، والانقسامات الطائفية التي تبتلي سورية، أو الافتقار الظاهر للوحدة بين حركات المقاومة المختلفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على السطح، يبدو الوضع الراهن قاتماً بشكل خاص. ومع ذلك، فإن العوامل التي عادة ما تكون مفقودة في هذه الحسابات تتكون من شقين، الأول هو التأثير البندولي، والثاني هو تأثير طائر الفينيق؛ واللذين يمليان كلاهما تغييراً إيجابياً على موقف أضعف.
أحيت حركة التضامن المتنامية الذكرى 68 للنكبة الفلسطينية. وكانت تلك المناسبة قد شهدت التهجير القسري لشعب فلسطين الأصلي لصالح دولة فصل عنصري صهيونية تأسست على مبادئ سرقة الأملاك والاستعمار والعنف. ولذلك، من غير المفاجئ أن يكون سلوك هذه البؤرة الاستيطانية الأمامية قد تميز بالأعمال الوحشية والبربرية خلال كل فترة وجودها.
ومع ذلك، رفع مواطنو العالم القناع أخيراً عن الدولة كواحدة لا تستطيع أن تعمل في داخل نسيج المجتمع "الطبيعي". وأصبح من الأكثر صعوبة باطراد تجاهل تصرفات إسرائيل الغريبة والدفاع عنها، سواء كانت تلك المتعلقة بالتجويع المتواصل (بالمعاني الأوسع) للشعب الفلسطيني، أو الاحتلال المستمر المتعارض مباشرة مع القانون الدولي، أو التوسيع المستمر للمستعمرات المقامة على الأرض الفلسطينية المسروقة.
كما تترافق الحالة البائسة للشؤون الإسرائيلية بتناقص قدرة التأثير على القرارات السياسية على المستوى الدولي، مثل مفاوضات مجموعة (5+1) مع إيران. وكانت النتيجة النهائية لتلك المفاوضات هي نزع فتيل حرب إقليمية –إذا لم تكن عالمية- لصالح تفضيل ضم الدولة الإيرانية –ولو على مضض. وقد أشر هذا الفشل في التأثير على القرارات السياسية على إخفاق ذريع للوبي الصهيوني، وأظهر مدى عزلته على المسرح العالمي.
كانت الدولة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين قد تأسست على مبادئ قدرة الردع والإرهاب. وشكلت هذه العقيدة التي أشار إليها آرئيل شارون حجز الزاوية في نزعة العسكرة الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، فشلت هذه العقيدة كما شوهد في العام 2006، عندما واجهت إسرائيل الهزيمة أمام حركة المقاومة اللبنانية، حزب الله. وقد فشلت إسرائيل في تحقيق أي انتصار عسكري منذ تلك الحرب المصيرية في العام 2006.
أكدت مقاومة الفلسطينيين المتواصلة في الأعوام 2008، 2012 و2014 على التوالي، على الحقيقة التي يصعب تصورها –وإنما الحقيقية: لقد خسرت إسرائيل قدرتها على الردع، وليس على الساحة السياسية فقط وإنما على الأرض كذلك. وأصبح جيشها فعلياً جيشاً من الشرطة، قادراً فقط على إدامة احتلال لا يمكن الدفاع عنه، ولكنه يخفق في تأمين انتصارات عسكرية.
كان هذا هو تقييم منظرين مثل منير شفيق والكثيرين غيره. وعلى المستوى العالمي، خاض نظام إسرائيل الاستعماري صراعاً ضد حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على أمل فرض حظر على خيار الشعوب، طالباً من الحكومات التعدي على مبادئ الديمقراطية وحكم الشعب لنفسه. وشكل ذلك إهانة لم تدركها إسرائيل في إطار إدانتها لحملة المقاطعة التي تستمر في وضع هذه الدولة خارج بيت "الديمقراطية". ويضع هذا التوجه إسرائيل مباشرة في منطقة الاستعمار.
وعلى الرغم من الحضور الممول ومدفوع الكلفة لوسائل الإعلام الاجتماعية، فإن انهيار استيراتيجيات الإسرائيليين يؤشر على وعي متزايد بين مستهلكي هذه الوسائل بمحنة الشعب الفلسطيني. وقد أفضى افتقار الخطاب الإسرائيلي إلى التفسير المقنع إلى فضح الكثير من الدعاية الإسرائيلية وفشل حملات مثل "إسألوا نتنياهو" التي عرّت الأخطاء الأصيلة وبينت إفلاس مصرف الحجج الإسرائيلي. وكان التأثير النهائي هو دولة ضعيفة وساقطة لا يبقيها متماسكة معاً سوى عدم الاستقرار في المنطقة.
ثمة مؤتمران، مؤتمر "القدس" ومؤتمر "تواصل 2"، عُقدا في عاصمة الثورة الإسلامية، طهران، وفي إسطنبول على التوالي. وشكل هذان المؤتمران انعطافة مشهدية في الأحداث، والتي لم تكتفِ بجمع عدد كبير من المفكرين والناشطين والمنظمات غير الحكومية فحسب، وإنما أنتجت أيضاً خطاباً فريداً كان مُسكتاً لفترة طويلة من الزمن، هو خطاب الوحدة والرؤية الواحدة. فثمة اعتراف عالمي باعتبار إسرائيل ظاهرة من بقايا الاستعمار؛ قطعة أثرية غريبة من ماض مؤلم، والتي يجب أن تذهب إلى سجلات التاريخ إلى جانب العبودية والغزو. وقد تقدم المعجم العالمي ليتحدى الكولنيالية المتمثلة في هيكل القوة بدلاً من البقايا المادية للاستعمار.
وتشكل إسرائيل مثالاً حاضراً لحقبة ماضية غير مستساغة للوعي العالمي الجمعي. وثمة الآن تلك الرؤية المتحدة التي تعري إسرائيل الآن –ليس كدولة فصل عنصري فقط، وإنما كدولة استعمارية- هي التي يتردد صداها عبر العديد من الفصائل والمنظمات. وهذه الوحدة في الرؤية هي التي تشكل نقطة انعطاف في مسيرة النضال ضد الاحتلال الصهيوني. وتشكل هذه الرؤية المشتركة وأبعادها أول العلامات الملموسة على تفكك الاحتلال والاستعمار الإسرائيليين.
كثيراً ما يقال أن الفجر يأتي بعد أكثر الليالي حلكة. وفي الحقيقة، يشكل إحياء ذكرى مرور 68 عاماً على النكبة أحلك الليل، لكنها هذه الروية المشتركة هي التي تصنع الفجر الرمزي الآخذ في الطلوع.

*الرئيس الحالي لشبكة مراجعة الإعلام. ولديه عاطفة تجاه السياسات والعلوم الساسية للشرق الأوسط. وهو يقدم التحليلات عبر العديد من وسائل الإعلام، وتنشر أعماله العديد من المنشورات المطبوعة وعلى الإنترنت، بما فيها مجلة "المفكر"، "الحكاية الفلسطينية"، "مراجعة أوراسيا"، تلفزيون برس. و"ميدل إيست مونيتور".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Israel: A Falling Colonizer

التعليق