زليخة أبوريشة

الإجهار بالإفطار وما حوله

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2016. 12:02 صباحاً

بم تختلف المجاهرة بالإفطار في رمضان عن المجاهرة بعدم الصلاة طوال العام؟ بم تختلف عند المسلمين الصائمين والرُّكَّع السجود؟ فكلاهما عبادتان.. وكلاهما وزنهما من الفرض. بل إن للصلاة دالة على المسلم بأحاديث كثيرة تُعلي من شأنها، وتقدّمها على سائر العبادات.. ومع ذلك.. يؤذِّن المؤذن وأنت تمر قرب الجامع ولا تدخله.. أليست هذه مجاهرة بعدم الصلاة؟ حتى المطاوعة الذين يغلقون المحلات التجاريّة بعد الأذان، لا يأمرون المارة بدخول المسجد. يعني هناك حد يقف عنده حتى شرطة الدين في إجبارك على عبادة الصلاة.
نعود إلى الصوم.. بم تختلف المجاهرة بعدم الصوم عن المجاهرة بعدم الصلاة؟ لا شيء.. سوى أن إرغامك على الصلاة شبه مستحيل.. وكذلك الأمر في الصوم.. إذ لا تستطيع سُلطة أن تجبر الناس على الصوم.. (فحتى لو كنتَ في زنزانة لا طعام فيها ولا شراب، تستطيع نظرياً أن تفطر).. ولكن السلطة تستطيع أن تجبر على رياء الصوم.. أي التظاهر بالصوم والقول أنا صائم والحمد لله وما أنت بصائم.. ولم؟
- خوفاً..
- خوفاً ممن؟
- من السلطة التي قررت أن من يجاهر بالإفطار سيسجَن حتى آخر رمضان (ولربما لعدد من الشهور) وسيدفع غرامة.. ومن المجتمع الذي خضع لطغيان السلطة في هذه الجزئية، غير منتبه أن طغيانها هذا ليس سوى جزء من طغيان أكبر وأعم. بل إن المجتمع الذي بلع طغيان السلطة هذا ووافق عليه، مُهِّد (بضم الميم وكسر الهاء المشددة) له الطريق لكي يصبح هو بدوره طاغية.
- كيف؟
- يصبح المجتمع طاغية عندما يحكم على جميع المواطنين والمواطنات باتباع تعاليم الأغلبية العددية، فإذا كانت الأغلبية ذات ثقافة (س)، فعلى جميع الإثنيات والثقافات الأخرى أن تنمحي مقابل الثقافة الأعم. وكذلك في اللغة والدين والملة والعرق واللون... إلخ. وبالنسبة للصوم في مجتمع معظمه مسلم، يطلب المجتمع، بناء على انتقال الطغيان إليه، من جميع أفراد البلد الذي هو فيه أن ينصاع لعدم المجاهرة بالإفطار، تحت شعار "مراعاة مشاعرنا". ولو كانت "مشاعركم" هكذا من الهشاشة لتنكسر أو تنجرح لمجرد رؤية من يلوك في فمه لقمة، أو يرشف قطرة ماء، ألا ينجرح أو ينكسر أو يسيل لرؤية أطباق الحلوى في شرفة محل، أو روائح الشواء وأنت تمرّ قرب مطعم يعدُّ طعاماً؟ أو بيت يفوح منه عبق تقلاية الكزبرة والثوم؟ وهل من أجل مشاعرك الهشة هذه، على المحلات أن تسدل على فتريناتها ستاراً، والمطاعم أن لا تعد حتى وجبات الإفطار، لأن مرورك من قربها قد يُفسدُ عليك صومك؟ وهل منظر أكل أو شربٍ أو تدخين من مفسِدات الصوم؟
وهب أنك في بلد أنت فيه أقلية، فما العمل؟ من المؤكَّد أنك ستكتفي بالتسامي على جوعك وعطشك ورغبتك في سيجارة، لأن إيمانك بالصوم هو الأساس، لا إيمان مَن حولك.. فلو أفطر مجتمعٌ برمّته وأنت مؤمنٌ بالصوم، فستصومُ برغم المجتمع كله. وسيزكو صومك، لأن فيه مقاومة لإغراء، ومقاومة لإجماع. ثم هب أنك مسيحيّ صائم عما هو حيوانيّ، فهل سيُدني أجلك أن ترى من ينهشُ بلحم المنسف، أو هل ستقفُ مطالباً الحكومة بعقوبة أكل الحيوان ومنتجاته بل وذبحه وعرضها وطبخها؟
في تجارب بلدان عربية في محيطنا لا يوجد منع ولا عقوبة للمجاهرة بالإفطار، ومع ذلك لم نسمع أو نقرأ عن صائمين فتك بهم الصوم لأنهم شاهدوا مفطراً في شارع.. فالموضوع إذن هو هيمنة أغلبية على أقلية، وترحيلُ طغيان. فكفى ضحكاً على الذقون!
ودعونا نتمسك بالأمل النظيف من الزيف ومن الرياء...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحرمان (مروان جوينات)

    الخميس 15 حزيران / يونيو 2017.
    (فالموضوع إذن هو هيمنة أغلبية على أقلية، وترحيلُ طغيان.) اقتبست هذه العبارة من مقالكم بعد اذنكم...
    دائما اقول لزملائي بان الصيام بمعنى الحرمان من ما احب هو اقوى واجدى دينيا اذا كنت بين اخرين يأكلون ويشربون بشكل طبيعي، عندنا في الاردن حتى في السفر لاكثر من 80 كم التي يسمح بها الدين فأنت معرض لاي تدخل من الشرطة او المواطنين...
  • »الفكر التكفيري مجددا (زياد عبد المعطي)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    وما ذنب المريض والمسافر واهل الذمه فهل يعاقب هؤلاء للمجاهره بعدم الصيام ،، ليكن هنالك تسامح ولنطرد الفكر التكفيري من الانسانيه
  • »تعجب !!!! (mohammad)

    السبت 18 حزيران / يونيو 2016.
    ليس الغريب ان لا تجد من ينصح الناس لعمل عبادة ....
    و لكن الذي يذهب العقل انك تجد من ينهاك و يلومك على نصح الناس بالالتزام الدين ...

    "لم تعظون قوماً الله مهلكم ...."

    هذا قول الفئة المثبطة للفئة التي أمرت بالمعروف و نهت عن المنكر ...

    خسارة ان تجد من يتشبه بهؤلاء
  • »رمضان (بهاء)

    الجمعة 17 حزيران / يونيو 2016.
    حدث المرء بما لا يعقل , فإن صدق فلا عقل له. مقال غير موفق من الكاتبة الفاضلة.
  • »المعصية مع نفسه ..... والتبجح بها مجاهرة (غيور لا أكثر....)

    الخميس 16 حزيران / يونيو 2016.
    هناك أمور قد لا نستطيع استطالة توضيحها فالصلاة قد يقول قائل أنني صليت أو أنا على عجلة من أمري وسأصليها فيما بعد وهو ربما يخادع ـ وما يخدع إلا نفسه ـ وبذلك تنحل مشكلة مجاهرة ترك الصلاة عندك يا زليخة فلا نستطيع محاسبة من لم يصلِ في أوانه في المسجد ولا تعد أصلا مجاهرة ولامعصية من لم يصل ِ جماعة .... فبالتالي الصوم عبادة هي شهر واحد في مجتمع مسلم ديانته الإسلام وإباحة إفطاره يعني عدم احترام ديانة مجتمع بشريحة كبيرة غالبة لها الأكثرية .... فنحن مسلمون ينبغي أن نفرق بين سلطة مهيمنة تفرض نفسها وبين مجتمع مسلم متدين متمسك بدينه يخشى ربه وليس أحدا آخر ... لا أدري إذا كانت هذه الكلمات البسيطة تستطيعين فهمها وفهم طياتها )ما لم ينسلخ المرء من دينه كاملا(
  • »هو احترام (مكسيم العربي)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2016.
    في أغلب الحالات، لا يكون المجاهر مضطرا للمجاهرة، فقد يستطيع ان يدخن في منزله (أو مكتبه أحيانا) و أن يفطر قبل الشروع بالعمل و يتناول الغداء عندما يعود أبكر من الأيام المعتادة.

    بالإضافة لكون الصيام فريضة، فهو تقليد متأصل في مجتمعنا المحافظ، و مقارنته بالصلاة غير دقيقة، فحتى الصلاة في رمضان تختلف عنها في غيره، فالتراويح ان اردنا الدقة ليست أولى من صلاة الفجر في شوال أو ذو القعدة، التي تكاد تخلو فيها المساجد.

    مظاهر سلبية كثيرة في الشهر الفضيل بحاجة للمراجعة، لكني لا أرى ان المجاهرة أمر مقبول،