المستشار هشام جنينة شهيدا؟!

تم نشره في الأربعاء 15 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

د. سعد الدين إبراهيم

لم أتشرف بمعرفة المستشار هشام جنينة شخصياً. لكن كل معلوماتي عنه، مصدرها ما صرّح به الرجل، أو ما قاله عنه زُملاؤه؛ سواء في القضاء، أو في المؤسسات الرقابية الأخرى التي عمل فيها، وكذا من عدد من المُحامين الأصدقاء؛ محمد عبدالوهاب، وشادي طلعت، ومحمد طلعت، وبهي الدين الإبراشي. وهي جميعاً شهادات إيجابية في صالح الرجل. ويُدعّم هذه الشهادات الإيجابية، اختياره لرئاسة مؤسسة رقابية مهمة مثل الجهاز المركزي للمُحاسبات؛ وهو موقع يسبق الترشح له، والتعيين فيه، تقديم تقارير مهنية يتم رفعها لرئيس الجمهورية الذي يُصدر قرار التعيين. وهو ما حدث في حالة السيد المستشار المذكور.
ثم إن تكليفه رئاسياً بأن يُقدم تقريراً عن الفساد في مصر في السنوات الأخيرة، ثم المُسارعة في رفض التقرير الذي استغرق من الرجل ومُعاونيه عدة أشهر -بدعوى المُبالغة في تقدير حجم الفساد، مما يهز الثقة في أداء الحكومة والدولة المصرية، وربما يصرف المستثمرين عن المُخاطرة بدخول الساحة المصرية- فإن هذا، في رأينا، ما تنطبق عليه مقولة إنه "عُذر أقبح من الذنب". فالمستثمر الأجنبي إذا أتى فهو في الغالب يأتي في ركاب حكومته، وبعد التشاور معها، وليس بناء على ما تقولة حكومة البلد المُستهدف، أو ما يُنشر في صحافة تلك البلد، هذا بالنسبة للخارج.
أما بالنسبة للداخل المصري، فإن الرأي العام لم يطلع على التقرير الذي أعده المستشار هشام جنينة والفريق المُعاون له، وبالتالي لم يتسن للمُهتمين بالشأن العام أن يُناقشوا محتواه، أو يتساجلوا في التقرير. بل كان قرار النائب العام بعدم نشر التقرير مدعاة لانتشار الاشتباكات حول حساسية مؤسسات سيادية، مثل الرئاسة، والقوات المسلحة، والمخابرات، ووزارة الداخلية، وخاصة جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً). ويبدو أن حرص ولهفة الخريجين على الالتحاق بتلك المؤسسات، هو لما يشاع عن الامتيازات الوظيفية، أو البدلات المالية التي يحصلون عليها.
وقد تحققت من صحة ودقة تلك الإشاعات من عدد من الذين أعرفهم شخصياً، بحكم القرابة لهم، أو الأستاذية السابقة لبعضهم.
المهم لموضوعنا هو أن الرئاسة بإقدامها على تعيين هشام جنينة، وتكليفه بمهمة محددة، ثم فصله، وتقديمه للتحقيق، توطئة لمُحاكمته، نموذج صارخ للقول المأثور "من كان يحاول تجربة سلاح جديد فأصاب قدميه"؛ إذ أراد النظام الحاكم تبرئة نفسه من إشاعات الفساد التي تزكم الأنوف، فإنه أكدها بتخلصه من قاضي التحقيق! بل وأصبح قول مأثور ينطبق على النظام الحاكم، هو "يكاد المُريب أن يقول خذوني"!
وضاعف من هذا الإثبات في تعيينات النظام واختياراته، حادثة وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال، الذي ضُبط مُتلبساً بطلب رشوة قيمتها عدة ملايين من الجنيهات، نظير تخصيص أراض من أملاك الدولة، بالطريق غير المباشرة لأحد المستثمرين. وكذلك واقعة مستشار أحدث وزراء الصحة أحمد عمادالدين، الذي ضبط متلبساً، في أسبوعه الأول في العمل، بخطاب رشوة من إحدى شركات توريد الأجهزة الطبية للمستشفيات العامة التابعة للدولة!
إن قضايا الفساد الصارخة تلك في الأشهر الأخيرة، هي أحد أسباب التعاطف مع المستشار هشام جنينة. بل إن وقائع التلبس بالرشوة، تلك، جعلت قطاعاً كبيراً من الرأي العام أقرب تصديقاً لهشام جنينة منه إلى تصديق الرئيس عبدالفتاح السيسي.
ثم إن الطريقة المُتعجلة والمُهينة لعزل جنينة من موقعه كمُحقق في قضايا الفساد، جعلت بعض المُراقبين يتساءلون صراحة، ما كان فقط همساً، وهو ميزانية القوات المسلحة، وكيف يتم تخصيصها، وكيف يتم إنفاقها.
وعلم المصريون لأول مرة أن القوات المُسلحة تستحوذ على أربعين في المائة (40 %) من الناتج القومي، ولا تخضع للمُساءلة أو المُحاسبة التي تخضع لها بقية مؤسسات الدولة. وعلم المصريون، أيضاً لأول مرة، أن حكومتهم تقترض، بين الحين والآخر، من جيشهم عدة مليارات من الجنيهات والدولارات، كما لو كان الجيش دولة أخرى، غير الدولة المصرية، المُتعثرة مالياً منذ سنوات طويلة.
هذا كله فضلاً عن بروز إحدى أذرع القوات المسلحة، وهي الهيئة الهندسية (سلاح المهندسين سابقاً)، التي بدأت تُنافس القطاعين العام والخاص، لا فقط في أعمال المقاولات الكبرى، ولكن أيضاً في رصف الطُرق، وشبكات الكهرباء، وفي إنتاج المواد الغذائية؛ من اللحوم والأسماك والدواجن، والمخابز الآلية لإنتاج الخُبز والمعكرونة، إلى محطات ومنافذ توزيع الغاز، والبترول، ومشتقاتهما.
ويتساءل البعض عما إذا كان المستشار هشام جنينة قد اقترب من الأبقار المقدسة للقوات المسلحة، وهو ما لم تُقدم عليه أي جهة رقابية من قبل ثورة  يناير 2011. والذي لم تُدركه رئاسة عبدالفتاح السيسي، هو أن تلك الثورة كسرت جِدار الخوف عند معظم، إن لم يكن كل المصريين، ومنهم المستشار هشام جنينة، والذي ظهر واضحاً أنه لم يَخَفْ في قول الحق لومة لائم.
وقد ظهر ذلك مُجدداً، وبجلاء، في مشهد الرجل وهو يحمل حقيبة متعلقاته الشخصية، في الطريق إلى النيابة لاستكمال التحقيق في نيابة أمن الدولة، وذلك تحسباً لقرار قد يصدر من النيابة بالتحفظ عليه أو حبسه، قيد التحقيق! لقد ظهر الرجل رابط الجأش، مثله مثل فارس يحمل رأسه على كتفه، استعداداً أو تحسباً للشهادة!
لقد احتفت وسائل الإعلام المصرية بمرور عامين على رئاسة عبدالفتاح السيسي، ونقلت حديث الرئيس مع الإعلامي القدير أسامة كمال، والذي استغرق قرابة ساعتين. ولكن أسامة كمال لم يتطرق إلى مسألة عزل المستشار هشام جنينة، من قريب أو بعيد. وهذه في نظرنا سقطة من أسامة كمال، اللهم إلا إذا كانت الرئاسة قد طلبت منه ألا يفعل، أو لأن أسامة كمال التزم أمر نيابة أمن الدولة بحظر النشر في موضوع ما يزال قيد التحقيق.
وفي رأينا المتواضع، فإن مسألة هشام جنينة ستظل بقعة سوداء في الثوب الناصع البياض لرئاسة عبدالفتاح السيسي.
والله أعلم. ورمضان كريم لقرائي الأعزاء.

التعليق