حتى في الموت، لا مكان ليستريح فيه السوريون في لبنان

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً
  • مقبرة في العاصمة اللبنانية، بيروت – (أرشيفية)

بيلين فيرنانديز* - (ميدل إيست آي) 15/6/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في شهر أيار (مايو) الماضي، توفي أحد معارفي السوريين في بيروت؛ حيث كانت العائلة هربت من حلب بعد وقت قصير من اندلاع الحرب في سورية. وفوق الحزن والعناية بوالدته الملكومة، ترتب على "حسن" عندئذٍ تدبر أمر العثور على مكان لدفن والده المتوفى.
من المعروف تماماً أن الحياة في لبنان قاسية على اللاجئين السوريين الذين ترتب عليهم أن يتعايشوا مع التمييز والعنف وفصول الشتاء المميتة، وحالات منع التجول المتقطعة المقصورة على السوريين فقط، والقوانين المتقلبة والغامضة -بما في ذلك المتطلب الغريب بأن يدفع اللاجئون الفقراء الذين لا مدخول لديهم المال من أجل الحصول على نموذج مصدق عليه من كاتب العدل، والذي يتضمن تعهداً منهم بأنهم لن يعملوا. لكن الموت في لبنان يؤسس لوجع رأس آخر جملة وتفصيلاً.
عندما استفسر في واحدة من مقابر بيروت الرئيسية بالقرب من منطقة بدارو، قال حارس الأمن الذي يعمل في تلك النوبة لحسن إن هناك حاجة إلى "تبرع" بقيمة 10.000 دولار على الأقل من أجل تسهيل الموافقة على قسيمة للدفن. وقال الحارس إنه إذا كان يتطلع إلى خيار أرخص، فإن تبرعات أقل تُقبل في "المقبرة الفلسطينية" المجاورة -التي يشار إليها هكذا على ما يبدو استناداً إلى حقيقة أنها تضم رفات العديد من المقاتلين الفلسطينيين من حقبة الحرب الأهلية.
لكن جولة سريعة في تلك المقبرة أيضاً تركت حسن والشك ينسل إليه بأن الحسم النسبي هنا ربما كان في جزء منه نتيجة لممارسات سرية من جانب المتعهدين، مثل نبش القبور وإعادة بيع أماكن لم تستخدم.
وفي النهاية، كان شراء موقع قبر هو أقل المشكلات صعوبة بالنسبة لحسن وعائلته -الذين صادف أنهم من بين الفئات الثرية التي هربت من سورية- على عكس غالبية السوريين في لبنان.
وتعد ظاهرة التبرع بمبلغ 10.000 دولار كحد أدنى فريدة بالنسبة للعاصمة اللبنانية؛ حيث تتصل الطبيعة المربحة لصناعة الدفن بحقيقة أنها لا توجد ببساطة مساحات كثيرة غير مشغولة بعمائر الإسمنت. وبطبيعة الحال، فإن العائلات البيروتية التي كانت فرزت مساحات الدفن الخاصة بها منذ وقت طويل معفاة من الخضوع لهذه الرسوم.
ولكن حتى في الأماكن الأكثر بعداً في البلد وحيث الربحية من الموت ليست عالية جداً، تظل كلف الدفن في أغلب الأحيان وراء حدود الممكن بالنسبة للاجئين السوريين. وعلى سيل المثال، فإن قسيمة قبر عليها علامة تسعيرة بـ300 دولار، تعادل نقود مواد البقالة لمدة عامين تقريباً بالنسبة للعديد من اللاجئين الذين يعيشون في خيام متنقلة مكونة من صفائح بلاستيكية ويافطات الإعلان.
كما لاحظت منظمة العفو الدولية في العام الماضي، فإن "اللاجئين السوريين الأكثر هشاشة في لبنان يتلقون مجرد 13.5 دولار في الشهر أو أقل من نصف دولار يومياً كمساعدة غذائية".
في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2015، كنت قد زرت مستوطنتين للخيام للاجئين في وادي البقاع في لبنان، على مقربة من الحدود السورية. وهناك تحدث المقيمون عن المشقة الناجمة عن عدم القدرة على الموت في الوطن.
على سبيل المثال، كان هناك رجل أراد في ذلك الحين الحصول على إذن لدفن والده الذي قضى على جانب الطريق بينما كان متجهاً لشراء البطاطا. ووصف مشهداً مذلاً أجبر فيه على القيام بجولات على عدد من الشيوخ المحليين ومناشدتهم توفير قطعة أرض لدفن والده فيها، حتى وافق أحدهم في نهاية المطاف.
وثمة العديد من اللاجئين غير القادرين على إيجاد و/أو دفع ثمن موقع قبر لأحبائهم الموتى يعمدون إلى مواراتهم الثرى سراً تحت غطاء الليل.
ثمة إرسالية أخيراً لوكالة الصحافة الفرنسية "فرانس برس" تحت عنوان "للسوريين في لبنان، لا مكان للراحة في الحياة أو الموت"، والتي تروي المحاولات الدنيوية لزوجين شابين من اللاجئين السوريين كانا قد فقدا ثلاثة أطفال رضع في نزاع في لبنان، وترتب عليهما السعي إلى تأمين أذونات لدفن الأجساد الصغيرة. وانتهى الحال بدس الجثة الثانية الصغيرة في قبر الجثة الأولى بينما دفنت الجثة الثالثة في منطقة منفصلة.
ويلاحظ تقرير وكالة الصحافة الفرنسية أنه وفقاً للسلطات اللبنانية ومنظمات دولية، فإن "معدلات الوفاة بين اللاجئين السوريين هي أعلى بكثير منها بين المواطنين المحليين" -وهي حالة منطقية في ضوء تعرض اللاجئين غير المتكافئ للعناصر الطبيعية والمرض، ولا شك. وليس هذا -بكل وضوح- إشارة إلى أن الحياة سهلة تماماً "للمواطنين المحليين" ككل، والذين يعانون في مناطق معينة من معدلات عالية بشكل استثنائي من الفقر بسبب السياسات غير الحميدة التي تنتهجها النخبة الحاكمة.
وتنقل الوكالة الفرنسية عن شيخ محلي متعاطف في وادي البقاع قوله إنه حاول وزملاء له من البقاع إيجاد أرض لتحويلها إلى مقبرة خاصة للسوريين، لكن أحداً لم يرد البيع... وإذا كان سعر المتر المربع 10 دولارات، فإنه يصبح 50 دولاراً فور معرفتهم بأن الأرض ستصبح مكاناً للدفن.
من الطبيعي أن لا يكون لبنان المكان الوحيد في هذه الأرض، والذي يضع ثمناً باهظاً نظير الدفن المحترم؛ ففي العديد من البلدان الغربية، يرتبط الاحترام الذي يمنح للجثث بعلاقة مباشرة مع عمق الجيوب السابقة للجثة المتوفاة، أو مع جيوب أعضاء العائلة الأحياء.
وقد تقول إن الانقسام المجتمعي الاقتصادي الذي ما يزال يأخذ شكلاً مؤسسياً بالتدريج في الحياة بشكل باهظ، قد تمكن أيضاً من العبور إلى الجانب الآخر.
لكننا، في أي حال من الأحوال، نستطيع أن نستنتج بأمان أن المشهد الذي يواجه اللاجئين السوريين في لبنان هو مشهد خال تماماً من الإنسانية -سواء كان اللاجئون المذكورون أحياء أم أمواتا.

*مؤلفة كتاب "الرسول الإمبريالي: ثوماس فريدمان قيد العمل"، منشورات فيرسو. وهي محررة مساهمة في مجلة جاكوبين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Even in death, there’s no place of rest for Syrians in Lebanon

التعليق