حنان كامل الشيخ

من أين يأتي الهدوء؟

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

في حوار لا يتوقف ما بين أفراد الأهل بعضهم مع بعض، والفرد مع نفسه لو كان ولي أمر لأحد شباب وصبايا هذا الجيل، وعاش أياما لا تشبه أيامنا هذه، ولا بأي تفصيلة واحدة، يسيطر سؤال واحد وحيد على المونولوج الداخلي؛ هل أنا الصح، أم هم ؟!
يخطر ببالي كثيرا هذه الأيام المقارنة الغريبة التي لا أجد لها تفسيرا مريحا، بين وضع جيلنا نحن الامهات والأباء الذين باتوا يرون أبناءهم يخطون خطوات واثقة -على طريقتهم- في حياتهم العلمية والعملية في مرحلة ما قبل الدخول لسوق العمل والحياة الحقيقي، وبيننا نحن الذين “طفحنا الكوتة” على رأي أخوتنا المصريين لنستمر على قيد الوجود، وطبعا على طريقة أهالينا و بيئتنا وظروفنا المتشابهة من الخليج إلى المحيط ، حتى لو اختلفت بعض التفاصيل الاجتماعية هنا أو هناك.
طريقتنا التي امتدت آثارها معنا حتى مع التقدم في كل شؤون الحياة، لاتزال تقوم على حمل الهم بكل المراحل؛ استيقاظهم الصباحي، وجباتهم اليومية، دراستهم عموما وامتحاناتهم على وجه الخصوص، ورحلة الانشغال فيهم وبكل متعلقاتهم لا تنتهي، فتستمر باختيار الجامعة والتخصص وبطبيعة تعاملهم مع حياتهم الجامعية الجديدة سواء كانت داخل أو خارج الوطن.
يبدو أننا وبدون أن ندري، توصلنا نحن معشر الأمهات والأباء لإجماع مفاده أن أبناءنا لا يعطون شؤون حياتهم اهتماما كافيا، او على وجه الدقة؛ لا يعطونها الاهتمام الذي (يفش غل) أهاليهم المتوترين بالوراثة. وبالطبع لا ننكر هنا أنها في غالب الأحيان، تسير أمورهم بسلاسة غريبة ماشاء الله، نحسدهم عليها!
ولا أتحدث هنا بالتخصيص عن الأبناء الذين وهبهم الله أسرا مكتفية ماديا، فهولاء مدعاة للتوقف عند المقارنة زمنا أطول، حيث إنهم أقل حرصا واهتماما من أقرانهم قليلي الحرص أصلا والذين يسيرون الطريق المعتاد بدءا من المدارس والقبول الجامعي بحسب المتوفر أو ما تؤهلهم قدراتهم الأكاديمية وقدرات أهلهم المادية.
والسؤال هل بات رأس المال يطغى على الاجتهاد والاهتمام؟ او تراه يفتح أبوابا ما كانت لتفتح لولاه؟!
هل هذا حقيقة ما حصل عندنا أم أن معادلة المسار الحياتي لنخبة من أبنائنا كانت تسير على نحو مختلف يقوم على اختيار مدرسة ذات نظام أجنبي تكاليفها مؤمنة ثم جامعة في دولة من دول العالم الأول ذات تكاليف مؤمنة أيضا؛ فتفتح الأبواب في سوق العمل على مصراعيها؟!.
طبعا هذا لا أعرضه لوما ولا انتقادا، العكس تماما؛ إذ ليس مطلوبا دائما البدء من تحت درجات السلم الاولى كي يحقق أبناؤنا النجاح المأمول، لكن في دوامة الحياة والتنافسية، علينا أن نكون أكثر رحمة بالمجتهدين الذين ما يزال الجد والاهتمام شعارهم نحو الوصول لضفة الأمان وإن قصرت معهم ذات اليد!
قرأت يوما كلاما جميلا لرئيس الوزراء الاردني الأسبق عدنان بدران، وهو أمين عام لإحدى الجامعات يقول فيه: “إن دولا افَتقَرتْ إلى الخامات الطبيعية، والمياه، إلا أنَّ التعليمَ لديها تميزَ بالجودةِ والمواءَمة، وكانَ القاطرةَ الحقيقيةَ للفكرِ والتحليلِ، والدراسةِ والاستقصاءِ، وحَلِّ المشكلات، ما أدى إلى الاختراعِ والابتكار. وإن الخريجين في تلك الدولِ شكلوا اللبناتِ الرئيسة لمحركاتِ النمو الحقيقية في توفيرِ فرصِ العمل، حتى نما الدخلُ الإنتاجيُّ المحليُّ ليضاهي الدولَ الكبرى”. انتهى الاقتباس.
هذا الكلام الجميل يصلح أن يكون قيد التنفيذ لو أن الدول عادلة فعلا، في توزيع فرص الحضور وإضاعة فرص الغياب. هنا فقط نستطيع أن نحكم على الهدوء والسلام الذي يتعامل فيه أبناؤنا مع أدوات الحياة الأساسية، إن كان مرده ارتياحا لمستقبل مضمون بالتوريث الإداري والمالي، أم أنه استلام لحقيقة مؤسفة تفرض يأسا من عدالة لن تتحقق، مهما كبرت الأحلام !

التعليق