إرث أوباما الأفغاني المر

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً
  • جنود أميركيون في أفغانستان - (أرشيفية)

براهما شيلاني*

برلين - بعد ما يقرب من خمسة عشر عاماً على بدايتها، ما تزال حرب الولايات المتحدة في أفغانستان مستمرة، مما يجعلها أطول حرب في التاريخ الأميركي. وفي الوقت الحاضر، لم تعد هذه الحرب في دائرة الضوء في العالم، ما عدا التطورات الدراماتيكية الأخيرة عقب اغتيال أميركا الأخير لرئيس حركة طالبان الأفغانية، أختار محمد منصور. لكن الأفغان يفقدون أصدقاءهم وجيرانهم وأطفالهم في الصراع كل يوم، كما يحدث لهم منذ الغزو السوفياتي في العام 1979، والذي تسبب في نزوح اللاجئين مثل والدي عمر متين، قاتل 49 شخصاً في ملهى ليلي في أورلاندو، إلى الولايات المتحدة.
كان الرئيس السابق جورج دبليو بوش هو الذي أطلق الغزو الأميركي لأفغانستان في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية. وكان هدف الغزو هو تفكيك تنظيم القاعدة وإزاحة طالبان من السلطة، وبالتالي ضمان ألا تكون أفغانستان قاعدة آمنة لعمليات المتطرفين. وبإنجاز هذه الأهداف ظاهريا، قام خليفة بوش، باراك أوباما، بخفض مستويات القوات في البلاد، كما أعلن قبل سنة ونصف أن الحرب اقتربت من "الوصول الى نهاية مسؤولة".
لكن حركة طالبان عادت إلى شن الهجمات من جديد، واشتدت الحرب، مما أسفر عن خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات. وتعد باكستان السبب الرئيسي، لأنها تحمي قيادة وسيطرة طالبان الأفغانية، في حين تتظاهر بأنها حليفة للولايات المتحدة.
وإذا كانت هناك أي شكوك حول ازدواجية سياسة باكستان، فإن الخبر اليقين يجب أن يكون قد أتى في العام 2011، عندما قتل أسامة بن لادن في مدينة هي حامية عسكرية بالقرب من عاصمة البلاد. ومع ذلك، وبعد مرور خمس سنوات، لم تكشف باكستان بعد عن الذي ساعد بن لادن في الاختباء كل تلك السنوات. وفي الوقت نفسه، واصلت إدارة أوباما منح البلاد مليارات الدولارات كمساعدات.
اغتيال منصور على الأراضي الباكستانية، قرب الحدود مع إيران وأفغانستان، كشف مرة أخرى عن خداع المسؤولين الباكستانيين، الذين أنكروا مرارا حمايتهم لقادة طالبان. ومثل الهجوم الذي شنته قوات البحرية الأميركية التي قتلت بن لادن، يظهر اغتيال منصور انتهاك الولايات المتحدة لسيادة دولة تعتبر واحدة من أكبر المستفيدين من المساعدات الأميركية، والتي كان ينبغي عليها دعم هذه الجهود. والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تعترف بهذا الدرس الواضح هذه المرة، وتقوم بتغيير المسار.
إذا كان قتل منصور، كما قال أوباما، "خطوة هامة" نحو الجهود الرامية إلى إحلال السلام في أفغانستان، فإنه يظهر أيضاً فشل السياسة الأميركية في ظل إدارة أوباما، الناجم عن عدم الرغبة في مواجهة باكستان -أو حتى حركة طالبان- بما يكفي من القوة. وكان هدف أوباما يكمن في الحفاظ على خيار التوصل إلى صفقة خاسرة مع طالبان -ترتيب لتقاسم السلطة لدعم اتفاق السلام- بتسهيل من الجيش الباكستاني. ولهذا لم تقم الولايات المتحدة بوسم حركة طالبان الأفغانية -ووكالة الاستخبارات المحتالة في باكستان، الاستخبارات الداخلية (ISI)- كمنظمات إرهابية، وإنما تورطت بدلا من ذلك في الشعوذة الدلالية.
لكن هذا النهج يتجاوز الخطاب. فقد استغرقت أميركا ما يقرب من خمسة عشر عاماً لتنفيذ أول هجوم جوي في إقليم بلوشستان في باكستان. وعلى الرغم من ذلك، أنشأت قيادة طالبان الأفغانية بنية القيادة والسيطرة هناك بعدما أبعدها تدخل الجيش الأميركي من أفغانستان. وبدلا من ذلك، ركزت الولايات المتحدة هجماتها الجوية في منطقة وزيرستان الباكستانية، وسمحت لقادة طالبان بالبقاء مختفين.
كما أقامت الولايات المتحدة علاقات مباشرة مع طالبان، من أجل تعزيز المفاوضات الرامية إلى تحقيق السلام من خلال الترتيب لتقاسم السلطة. وسمحت لطالبان بإقامة بعثة دبلوماسية في الدوحة بقطر، في العام 2013. وبعد مرور سنة، تفاوضت على إطلاق سراح خمسة من كبار قادة طالبان الذي كانوا في سجن غوانتانامو في مقابل الإفراج عن ضابط في الجيش الأميركي.
لعل ما كانت الولايات المتحدة تجهله هو أن مؤسس حركة طالبان، الملا محمد عمر، توفي في العام 2013 في مستشفى في مدينة كراتشي الباكستانية. وبقي موت عمر سراً لأكثر من عامين، حيث ادعت المخابرات الباكستانية بأنها تعمل على تسهيل الاتصالات به.
وأخيراً، تم تعيين منصور كزعيم لحركة طالبان الجديد -وهو رجل لم يكن مهتماً بمحادثات السلام. وكان عناد منصور هو السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى تغيير تكتيكاتها. وبدلا من استخدام الجزر لتأمين دعم طالبان للتوصل اٍلى اتفاق سلام، تستخدم إدارة أوباما الآن عصياً كبيرة جداً.
ولكن، وحتى حتى لو دفع هذا النهج طالبان إلى طاولة المفاوضات، فإنه ربما لن يكون كافياً للتوصل اٍلى اتفاق سلام دائم. وإذا كانت الولايات المتحدة ستنجح في إنهاء الحرب في أفغانستان، فإنه يجب أن تفعل أكثر من مجرد تغيير التكتيكات؛ وأن تقوم بإعادة النظر في استراتيجيتها الأساسية.
الحقيقة هي أن حركة طالبان البدائية لن تُهزم ولن تسعى إلى السلام حتى يتم القضاء على قواعدها الباكستانية. وعادة ما لا تنجح مطلقا أي حملة لمكافحة الإرهاب في بلد ما عندما يجد المسلحون ملجأ في بلد آخر. وعلى الرغم من اعتراف أوباما بضرورة القضاء على مكامن الإرهاب، فقد فشل في القيام بما هو مطلوب.
ببساطة، لن تفي رشوة الجيش الباكستاني بالغرض. فعلى مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، أعطت الولايات المتحدة باكستان أكثر من 33 مليار دولار كمساعدات، وزودتها بأسلحة فتاكة، تتراوح بين طائرات "أف-16" والطائرات البحرية  P-3C أوريون والصواريخ المضادة للسفن وصواريخ مضادة للدروع "تاو". ومع ذلك، تستمر باكستان في تزويد حركة طالبان الأفغانية بملاذ آمن داخل حدودها.
هناك نهج أفضل سيربط انفاق المساعدات بالعمل الباكستاني ضد المسلحين، مع تصنيف الاستخبارات الداخلية الباكستانية رسميا ككيان إرهابي. وقد ترسل مثل هذه الخطوة إشارة قوية إلى الجيش الباكستاني –الذي يستخدم حركة طالبان وجماعات متشددة أخرى كوكلاء وقوة موجهة ضد  أفغانستان والهند- والذي لم يعد قادراً على المطاردة مع الكلاب والهروب مع الثعالب.
لا يعني قرار أوباما في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي إطالة تورط الولايات المتحدة في أفغانستان أنه سيترك منصبه من دون الوفاء بوعده لإنهاء الصراعات العسكرية في عهد بوش فحسب، لكنه يعني أيضاً أن الولايات المتحدة سوف تستمر في خوض الحرب في الجانب الخطأ من الحدود الأفغانية الباكستانية. وربما سيدرك خليفته الحقيقة أخيراً: نهاية الحرب في أفغانستان تكمن في باكستان.

*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسة في نيودلهي، وزميل البحث في أكاديمية روبرت بوش في برلين.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق