موفق ملكاوي

بالدماء الزكية يتسيج الوطن

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2016. 12:06 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 24 حزيران / يونيو 2016. 12:25 صباحاً

رصد مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأحداث الجسيمة التي تطرأ، أمر متعب للغاية؛ فهو يجعلك أحيانا تشعر أن العالم يفقد بشريته، لمصلحة نوازع سادية لا علاقة لها بالإنسانية.
لم أتفاجأ كثيرا بردود فعل وقحة سخرت من الدماء الزكية التي انسكبت بالأمس على حدودنا الشمالية من أجل أن يبقى الوطن آمنا، خصوصا من "أشقاء" في بلاد مجاورة، يلوموننا على الدوام لأن بلادنا آمنة، أو أنهم يلوموننا لأننا باركنا دما زكيا سال في ثورة شعبية عارمة طاغية، أو أن اللوم يأتي كوننا لا يوجد لدينا سفّاح يريد أن يقتل شعبه بأكمله لكي يبقى مستأثرا بالكرسي.. أو لهذه الأسباب جميعها.
لم أتفاجأ كثيرا بتلك التعليقات التي انبرت تتمنى أن يأتي سريعا الوقت الذي تنفتح فيه حدود البلدان المجاورة لاستقبال "اللاجئين الأردنيين"، فهي أصوات موتورة لا تعبر إلا عن ضعفها وتهافتها وحقدها الأسود.
لكن ما فاجأني فعلا، أصوات كانت تشعل الفضاء الإلكتروني على الدوام، وهي تدافع عن أشخاص يمجدون العنف، ويباركون الإرهاب، ويقسمون المجتمع الأردني إلى مؤمنين وكفار، ويقدمون الفتاوى التي تبيح إشعال الفتنة، وصولا إلى إراقة الدماء.
غاب أولئك عن الفضاء الإلكتروني أمس، بعدما كانوا "نجوما" قبل ذلك، يمنحون صكوك الوطنية لكل من يقف إلى جانبهم في أفكارهم الظلامية المدافعة عن متعهدي الفتنة، ويَصِمون بالخيانة والعمالة والعداوة للحرية وأهلها، كل من يخالفهم ويقدم قراءة مغايرة لفكرهم!
غاب أولئك عن شجب واستنكار الجريمة النكراء في حق مجموعة من شبابنا الذين كانت جريرتهم الوحيدة أنهم سهروا على الحدود، لكي ننام بأمان واطمئنان في مدننا وقرانا ومخيماتنا. تلقوا الرصاصة الأولى بأجسادهم، لكي لا نصاب، بمجرد، الخوف، أو حتى نجفل فيما نحن نحيا بطبيعية.
أولئك، فاجأوني بالفعل، فقد كنا نتعلم على الدوام، أن دم الإنسان وروحه وحياته، أغلى من كل شيء، حتى أغلى من الحرية التي انبروا يدافعون عنها في لحظة التباس مفاهيمي، سوّغ الفتنة والتبشير بعهد العنف والإرهاب، واستثنى حق المجتمع في الأمن السلم والتصالح، وهي المفردات التي يتم نسفها من قبل دعاة فتنة يدافعون عن أفكار وتنظيمات مثل تلك التي ارتكبت جريمتها في حق أبنائنا على الحدود الشمالية.
في المقابل، كان ثمة مثل ساطع عن كيف يكون الوطن وحماته أولوية. ففي الليلة التي سبقت الجريمة، كان الفضاء الإلكتروني يشتعل ضد حكومة رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي بسبب رفع الأسعار الذي طال سلعا وخدمات جديدة، وقد وصل التفاعل في هذا السياق إلى مديات كبيرة وعبارات قاسية.
لكن، في عرف أولئك المواطنين الأنقياء، فإن معارضة الحكومة وسياساتها، أيّا كانت، لا يجوز أن تتعدى نحو معارضة للوطن وأبنائه، لذلك فما إن حمل الصباح الأخبار الحزينة، حتى انبروا للدفاع عن الوطن وشجب الجريمة البشعة، والالتفاف حول الجيش، وهو المؤسسة التي لا يمكن تجييرها سوى للوطن وأبنائه.
إذا كان ثمة فرحون أو شامتون بالجريمة، فهذا لا يضيرنا، فجميعنا نعلم أن الأردنيين حين يتم استهداف الوطن، يقف الخيرون منهم جنبا إلى جنب ضد الاستهداف وبواعثه.. وفي أي وطن يريد البقاء، يكفي أن يكون خيّروه يدا واحدة.
اليوم، الأردن أكثر قوة وترابطا وتراصا، والأمر الوحيد الذي يحزننا هم أولئك الكوكبة من الأبطال، الذين غادروا بيوتهم وعائلاتهم، وعادوا شهداء ملفعين برايات الوطن. على مثل هؤلاء يكون الحزن.. وتكون الحسرة، غير أن موتهم لم يكن مجانيا، بل كان فداء على طريق الجلجلة، فبالدماء الزكية يتسيّج الوطن.
رحم الله شهداءنا الأبطال.. وحمى الأردن من كل حاقد أو دخيل أو باطنيّ.

التعليق