"غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه"

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

أ. د. محمد خازر المجالي

نعيش أياما كلها ذكريات عزيزة على قلوبنا. فقبل يومين، ذكرى بداية الإسلام؛ إذ بدأ الوحي نزولا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء. وهي نفسها ذكرى غزوة بدر، حيث انتصار الحق رغم قلة أهله، على الباطل رغم كثرته. وغدا ذكرى فتح مكة، حيث دخلها نبينا صلى الله عليه وسلم فاتحا متواضعا، بعد أن أخرجه أهلها منها قبل ثماني سنين. وهناك ذكريات خارج إطار السيرة النبوية، حيث عين جالوت وفتح الأندلس، وربما غيرها من الانتصارات.
لكنني أقف قليلا عند هذين النصرين؛ بدر وفتح مكة، فكلاهما يؤكدان معنى حسن التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب، ويؤكدان أيضا معنى "... كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ..." (البقرة، الآية 249)، وأن الإرادة إن توفرت فلا يقف أمامها شيء، وأن على المؤمن أن يمضي في الطريق ولو خطوة، وبعد ذلك يكون التأييد الإلهي. أما مجرد التنظير فلا يجلب دعما ولا توفيقا، بل لا بد من الحركة بدين الله تعالى.
فئة لا تحمل إلا سلاح المسافر في غالبها، وليس معهم إلا فرسان، وسبعون من الإبل يتعقبونها، وهم لم يخرجوا أصلا لقتال، بل لملاقاة قافلة، ولم يمض على هجرتهم إلا أقل من عامين، لكن تكون إرادة الله تعالى بملاقاة أهل الباطل والطغيان، وينتصر الحق على الباطل ويهزمه شر هزيمة. ومن كان يعتقد أن هذا الذي خرج مهاجرا خائفا ومعه صاحبه، يترك مكة وأهله وكثيرا من أنصاره، يرجع بعد سنين معدودة ليخاطبهم قائلا: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فيقولون: أخ كريم وابن أخ كريم. فيجيبهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إنها عزة الإسلام، والثقة بالله تعالى ونصره، والطمأنينة إليه والعمل من أجل نصرة منهجه. فالمؤمن لا غاية له إلا هذا الدين، أن يسود ويؤمن به الناس ليعبدوا إلها واحدا سبحانه، حين نتذكر أن غاية خلقنا في الأصل هي عبادة الله.
وإذ أتجاوز الظرف الزماني لما نمر فيه من ذكريات عزيزة نريدها أن تبث الأمل في النفوس، فإنني أقف عند عنوان المقال، حيث المغفرة التي يتطلع إليها كل مؤمن صادق في هذا الشهر وفي كل آن، أن يتجرد من كل شيء مما علق به خلال مسيرته الدنيوية، وكلنا خطّاء ضعيف عجول، ونسأل الله المغفرة والستر.
أقف عند هذه الأحاديث النبوية (وكلها صحيحة) التي تعطي الفرصة بعد الأخرى في مغفرة الذنب. إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"؛ أيْ من صامه إيمانا بالله الذي شرعه، واحتسابا للأجر عنده سبحانه، فالإخلاص من جهة، والانقياد من جهة أخرى، بلا تلكؤ ولا تردد، بل إقدامٌ وحيوية وإيجابية، تسليم مطلق بأمر الله تعالى ورغبة في نيل ثوابه ورضاه سبحان؛ فالثمرة حينئذ هي المغفرة لما سلف من أمره وعمره.
ومن لم يدرك هذه الفضيلة يعطيه الله فرصة أخرى، فيقول صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه". فبعد الصيام قيام، وهو لا يقل أهمية رغم أنه مندوب وليس واجبا، إلا أنه ذو أجر عظيم، يقف من خلاله العبد بين يدي الله، يناجيه وتصفو روحه ونفسه له. وهو إذ يُتعب نفسه لكنه يجد الراحة والطمأنينة، حين يتذكر وقوفه وسهره وتعبه، في موسم تتضاعف فيه الحسنات، والتقت فيه شفافية الروح مع ارتقاء النفس. وكلها قيم رائعة إيجابية مهمة للحياة التي يحبها الله تعالى، فهذه فرصة أخرى للمغفرة.
وإن كان التقصير كذلك، فإنه تأتي الفرصة الثالثة أيضا، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه". وليلة القدر موصوفة في القرآن بأنها التي نزل فيها القرآن، وأنها خير من ألف شهر، بمعنى أن العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر، مع البركة والخيرات التي لا يعلم كنهها وقدرها إلا الله تعالى، حيث تنزّل الرحمات، وازدحام الملائكة التي تنزل إلى الأرض لتشهد المواقف؛ ليلة مباركة كثيرة الخيرات، فمن قامها أدرك خيرا عظيما، ومن هذا الخير مغفرة الذنوب.
وقفت عند هذه النصوص وتساءلت: لماذا كانت النتيجة في النصوص الثلاثة هي مغفرة الذنوب؟ وكأن الله يقول للعبد: إياك أن تغادر رمضان وأنت لم يُغفَر لك. فالمغفرة من الذنوب فرصة عظيمة في هذا الوقت، ومن لم يتحلل من ذنوبه في رمضان حيث شفافية الروح وتصفيد الشياطين وبناء الإرادة وصقل النفس، فمتى يفعل ذلك؟
ومن هنا نتذكر نصا آخر، حين صعِد صلى الله عليه وسلم المنبر، وسمعه الصحابة يقول "آمين" ثلاثا، فسألوه عن ذلك، فأجابهم أن جبريل عليه السلام جاءه وقال في الأولى: "رغِم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفَر له، قل آمين، فقلت آمين"، وفي الثانية قال له: "رغِم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل به الجنة، قل آمين، فقلت آمين"، وفي الثالثة قال: "رغِم أنف امرئ ذُكِرت عنده فلم يصلّ عليك، قل آمين، فقلت آمين".
والشاهد هنا أن الأصل في الصيام وتبعاته من قيام وذكر وعمل خير في العموم أن تقود الإنسان إلى ما فيه الخير العظيم له، ارتقاء وإيمانا واستسلاما لله تعالى، وإيجابية في الحياة كلها، يتعرف على نفسه أكثر ليقودها إلى الخير، ويعرف حق الله تعالى من جهة، وسعة رحمته من جهة أخرى، ليكون معه لا يبتغي إلا مرضاته، سبحانه.
هي فرص أعطانا الله إياها، ولا يعني أنه لا توجد أية فرصة أخرى، بل العمر كله فرص لنا لننيب ونتوب، ولكن رمضان نفحة من نفحات الله الرحمانية، وجدير بنا أن نعقِل ونستغل الفرص، والله مولانا ونعم الوكيل.

التعليق