شاعر وروائي يرى أننا لا نمتلك الفهم الحقيقي للحياة بقدر ما نمتلك الفهم للموت وما بعده

أبو سليم: النص البعيد عن التصنع والتزلف قادر على إحداث التأثير

تم نشره في الجمعة 1 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً
  • الشاعر والروائي أحمد أبو سليم - (تصوير:ساهر قدارة)

عزيزة علي

عمان – يرى الشاعر والروائي أحمد أبو سليم "أَنَّنا شعوب لا نمتلك الفهم الحقيقيَّ للحياة بقدر ما نمتلك الفهم للموت، وما بعد الموت"، مشيرا إلى أنه وعندما "ندرك أن ثمن الرَّصاصة أَقلّ من ثمن رغيف الخبز، فعلينا أَن تدرك أَنَّ ثمَّة من يدفع الثَّمن الحقيقيَّ للسِّلاح كي نموت به".
ويضيف أبو سليم أن روايته الجديدة "ذئاب منويَّة"، التي صدرت عن دار الفارابي- بيروت، وهي الثانية بعد روايته الأُولى "الحاسَّة صفر" التي صدرت عن دار فضاءات للنشر والتَّوزيع-عمان، تلخِّص بـ"اختصار موت اليقين على طريقتها".
واعتبر أبو سليم، في حوار أجرته معه "الغد"، أنه يحمل "هاجس الفجيعة البشريَّة، وهاجس مستوى الجمال، المطلق"، مشددا على أن "النصَّ الحقيقيّ القادر على إحداث الفرق، والتأثير، هو النصُّ البعيد عن التصنُّع، والتزلُّف".
وقال إن رواية "ذئاب منويَّة" "تشي بطريقة أَو بأُخرى بأَنَّنا نعيش زمن اللايقين، زمناً لم نعد نستطيع أَن نعرِّف أَنفسنا فيه، لذا علينا ببساطة أَن نقف أَمام المرآة كي نعيد اكتشاف ذواتنا، وموقعنا في العالم الجديد. وعندما يصبح ثمن الرَّصاصة أَقلَّ من ثمن رغيف الخبز، فعليك أَن تدرك أَنَّ ثمَّة من يدفع الثَّمن الحقيقيَّ للسِّلاح كي نموت به وعليك أَن تدرك أَنَّ الطُّوفان قادم لا محالة. تلك هي ذئاب منويَّة".
وبين أبو سليم أن هناك علاقة عضوية بين روايته الأُولى "الحاسَّة صفر" والثَّانية "ذئاب منويَّة"، قائلا "بذلت مجهوداً هائلاً كي أَخرج من التسلُّط الَّذي مارسته عليَّ رواية "الحاسَّة صفر"، حتى لا أُكرِّر نفسي، من رحم "الحاسَّة صفر" وُلدت "ذئاب منويَّة"، فشقيق سعيد الدُّوري في رواية الأولى قد التحق بالمقاتلين الَّذين سافروا إلى أَفغانستان لمحاربة الاتِّحاد السُّوفييتي، ولم يلتحق بالثَّورة الفلسطينيَّة أُسوة بأَخويه، من دون أَن تلقي الرِّواية الضَّوء على الأَسباب الَّتي دفعته إلى ذلك".
وعن دلالة العنوان رأى المؤلف أن العنوان هو "الدَّلالة وعتبة الأُولى للنص، وقد يختزل في كلمتين أَو ثلاث كلَّ ما يريد الكاتب قوله في ثلاثمائة أَو أربعمائة صفحة، فقد كنتُ متأنِّياً في اختيار العنوان، وأُحاول اشتقاق مصطلح جديد غير مطروق لا في العربيَّة ولا في لغات أُخرى، وعندما اشتققتُ عنوان "الحاسَّة صفر"، عدتُ لاشتقاق "ذئاب منويَّة" فهو عنوان وثيق الصِّلة بالنصِّ إلى درجة أَن الكثيرين ممَّن عارضوه عادوا ليوافقوا عليه ويدعموه بعد قراءتهم الرِّواية، وإن دلَّ ذلك على شيء، فإنَّما يدلُّ على اختزال العنوان لفكرة الرِّواية".
يُذكر العنوان في متن النصِّ ثلاث مرَّات، وأَهمُّها يكون، وفق المؤلف، على لسان علي بابا، أَحد أَبطالها، حين يقول لإدريس بطل الرِّواية محاولاً أَن يفسِّر له ما يجري حوله بعد التباس الحياة عليه: "جعلونا يا صديقي مجرَّد ذئاب منويَّة، تتصارع على بويضة واحدة، وأَقنعونا بأَنَّ الثَّاني خاسر مثل الأَخير…".
وعن هواجس الرواية وما تحمله، أوضح أنها "جزء لا يتجزَّأُ من هذا الواقع، ونحن من يحمل على كتفيه عبء الرُّؤية، والتَّعاسة النَّاتجة عن المعرفة، إذ كلَّما ازدادت معرفتك ازداد قلقك، وبؤسك، وتعاستك"، مؤكدا أن الكتابة هي "اعتراف طويل، لا ينتهي إلاّ بموت الكاتب أَحياناً، وإن كانت الكتابة في علم النَّفس هي تفريغ الشُّحنات السَّلبيَّة، والقلق، على الورق، من أَجل الوصول إلى حالة توازن وتصالح داخليٍّ، فإنَّها ليست كذلك بالنِّسبة للمبدع، فهي بالنِّسبة له منبع القلق الدَّائم، لأَنَّها ليست اعترافاً ذاتيَّاً فرديَّاً، وإنَّما اعتراف جماعيٌّ على لسان فرد، يُفترض أَنَّه يرى أَبعد ممَّا يراه الآخرون، لذلك فهو مشغول دائماً بالمعرفة، بالأَسئلة الصَّعبة، بالمصير، بالمطلق، بالضَّبابيِّ الَّذي قد يحمل في ثناياه الفناء، بدءاً من الماضي، وصولاً إلى الآن، وليس انتهاء بالمستقبل".
وأضاف "الكتابة هي محاولة حقيقيَّة ليس فقط للإجابة على الأَسئلة، وإنَّما الوصول إلى أَسئلة من شأنها أَن تقلب المعرفة رأساً على عقب، وتغيِّر الواقع الغارق في الدَّم منذ قابيل وهابيل. أَنا أَحمل هاجس الفجيعة البشريَّة، وهاجس مستوى الجمال، وهاجس المطلق، وذلك شيء مشترك بين الشِّعر، والرِّواية، وأَقول في رواية ذئاب منويَّة: "كلُ كلمة جميلة، كلُ موسيقا تُعيد عزف هذا الكون من جديد، كلُّ أُغنية، كلُّ قصيدة، كلُّ همسة روح، تضيف مساحة جديدة من الجمال إلى هذا الكون، وتجعل الظُّلمة تخطو خطوة إلى الوراء".
وحول دور التجارب التي يمر بها الكتاب وآثارها على كتاباته، رأى أبو سليم "أنه لا يوجد كاتب أَو شاعر يمكن أَن ينعزل عن نفسه، وإلاّ فقد مصداقيَّته، وقدرته على إنتاج نصٍّ صادق، وذلك الشَّرط برأيي هو أَهم ما يميِّز النصَّ الحقيقيّ القادر على إحداث الفرق، والتأثير، النصَّ البعيد عن التصنُّع، والتزلُّف. أَهمُّ ناقد للنصِّ هو الكاتب نفسه، بشرط أَن يمتلك الكاتب الثَّقافة المؤهِّلة له لكي ينقد نصَّه، والصِّدق مع الذَّات. وأَهمُّ ما يميِّز التَّجربة الذَّاتيَّة في النصِّ هو قدرة الكاتب على اللَّعب على العام والخاص، وتحويل الخاص إلى حالة قابلة للتَّعميم، وذلك هو الفنُّ برأيي".
وأضاف "تلعب التَّجربة الشَّخصيَّة دوراً مهمَّاً في الكتابة، حين يمتلك الكاتب أَدواته الفنيَّة، فكلَّما ازدادت التَّجربة عمقاً ونضجاً أَنتج الكاتب نصَّاً عميقاً، ليس ذلك فحسب، بل واستطاع الكاتب أَن يميِّز بين ما هو صالح من تجارب الآخرين لإعادة الإنتاج، وما هو غير صالح لذلك، ثمَّة من يقول إنَّ الرِّوائي يكتب رواية واحدة هي سيرته الذَّاتيَّة".
وبين إن المسافة الزَّمنيَّة بين الروايات "خمسة أعوام، والمسافة الحقيقيَّة عشرة أَعوام. واضاف "لقد أَعدتُ صياغة رواية ذئاب منويَّة ثلاث مرَّات، كاملة، من بدايتها حتَّى نهايتها، وفي كلِّ مرَّة كنتُ أَقف مرتجفاً أَمامها، وما أزال حتَّى اللَّحظة كذلك. كلَّما كنت أَستلم رسالة، أَو أَحضر مجلساً، أَو أَقرأُ مقالة تتحدَّث عن الحاسَّة صفر، كنتُ أَعود لقراءة ذئاب منويَّة، وقد تأَخَّر نشرها عامين لهذا السَّبب. إنَّ النَّجاح الَّذي حقَّقته رواية الحاسَّة صفر جعلني أَرتجف من الخوف، فلا بدَّ مهما حاولتُ الخروج من الحاسَّة صفر في ذئاب منويَّة أَن يربط القارئ بينهما، ويجري في رأسه المقارنة. إنَّ نجاح رواية أَمر مقلق في الحقيقة، وأَكثر ما يُقلق فيه هو أَلاّ يُفتن الكاتب بنجاحه ويعيد إنتاج نجاحه ما يجعله يقتل نفسه".
وعن المراوحة بين الشِّعر والرِّواية، أوضح أبو سليم أنه ثمَّة ما يتَّسع له الشِّعر ولا تتَّسع له الرِّواية، والعكس صحيح، بالرَّغم من أَنَّني شاعر إلاّ أَنَّني مؤمن تماماً أَنَّ مساحة الرِّواية أَوسع بكثير للتَّعبير، وهي الأَكثر انتشاراً على صعيد الفنون الكتابيَّة، والأَوسع قراءة، ذلك ما انتهيتُ إليه بعد نشر رواية الحاسَّة صفر، وتلقِّي ردود أَفعال القرَّاء.

التعليق