حنان كامل الشيخ

"الصدمة" يصور في بغداد!

تم نشره في الاثنين 4 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

كل حياة وأعيادكم بخير، يامن كنتم تتراكضون خلف وبين أرجل أهليكم، تشدونهم إلى واجهات المحلات، حيث قمصان السبايدرمان وسوبرمان، وهم لا يعيرونكم قلقا حتى. كل حياة دبت في المنطقة ما بين القلب والشفاه، تتهدج بكاء وتوسلا أن العيد لكم وليس للأقارب الغريبين، الذين لا ترونهم إلا في أول أيام الأعياد، فلا داعي أن يكترث أحد بآرائهم حول شكل الهندام والحذاء إن كان لائقا للمناسبة السعيدة.
صرخاتكم وأنتم تستصرخون قلوب آبائكم من أجل لعبة مكشوفة الغطاء، تستفز طفولتكم الطفلة، اختلطت بأصوات الموت المترصد لكم ولأهلكم ليلة العيد، أو قبل ليلة العيد بليال، بين عجلات سيارات قاتمة اللون والرائحة والإحساس. عشرات منكم ماتوا وهم ممسكون آخر ما تبقى من كفوف أمهاتكم، اللائي انقبضت قلوبهن الصادقة قبل التفجير بدقيقة. متم وأنتم تحتفلون بحزنكم على آخر أمنيات العيد القادم، وتعقدون الأمل على رأفة تنزل في قلوب آبائكم الضعفاء، أمام قلة الحيلة وضيق الوقت المتاح للحياة.
ما أضعفنا نحن أمام هذا الكم من التاريخ المسجى بدماء الأطفال الذاهبين إلى عيد الفطر السعيد، مرة في غزة ومرتين في الشام وثلاثة في اليمن، وعشرين ألف ذبحة في العراق.
ما أنكدنا ونحن نعيد تكرار مشاهدة الصور القادمة من الكاظمية والصدر وشارع الربيع. ياله من اسم جميل تنتهي فيه قصص حياة قصيرة؛ شارع الربيع، وياله من صيف قاس عرف كيف يتحرش بربيع عمر الأبرياء، ويغتصب أسماء المارين عليه بسذاجة المصدق، أن الأمر صار بخير، وأن أكبر المصائب لن تتعدى كاميرا خفية، تترصد للناس شبه العاديين، وتعلمهم كيف تكون "الصدمة" بامتناع أم فقيرة عن شراء لعبة لابنتها، لتنتظر تدخل أصحاب القلوب الرحيمة!
تريدون صدمة؟ اخرجوا من محلات الملابس الجاهزة، ومكتبات الأطفال وأسواق التموين. سيروا في نفس الشارع مسلمين متكئين على أخبار الهدوء النسبي في سوق الخضراوات. ترفعوا عن محاولات جر أحاسيس الناس نحو رجل عاقّ بوالده، أو امرأة تهين خادمتها. تريدون صدمة؟ عيشوا ساعات قليلة كما يعيش هؤلاء على أرض الواقع، قبل أن تتحول إلى أرض النار والدخان والأشلاء المتناثرة بين جنبات الأرصفة. فوالله لم نصادف في الحقيقة نماذج صارخة في الشذوذ الإنساني، كما يحلو للبرنامج الذي يحمل اسم "الصدمة" أن يقول لنا، على الأقل من أجل المظهر الاجتماعي أمام الناس. تريدون صدمة؟ صوروا ليالي بغداد في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، بدون أخبار عاجلة حول سماع اهتزازات قوية، تتلوها أنباء عن عشرات القتلى والمصابين. كم كان حريا بمسؤولي البرنامج أن يكتفوا باختبار مشاعر المواطنين، في بلاد خالية من النكد والدم الرخيص. كم كان عليهم أن يعرفوا أن مدينة مثل بغداد، لا تنعم بترف الاختيار ما بين الخير أو الصمت، ورفاهية الابتسامة بعد كشف المقلب. مع أننا شاهدناهم ضمن أجزاء البرنامج يمارسون ما يشبه الحياة وكأنهم بشر حقيقيون. إنما أتساءل، كم واحدا منهم راح ضحية مقلب التصديق أن الدنيا صارت بخير، وأن الشر لا يعدو عن كونه صدمة في التعامل؟!
نحن لا تليق بنا الأعياد يا سادة. هكذا ببساطة وبصراحة! فإن لم تكن العراق فلتكن فلسطين أو سورية أو اليمن أو ليبيا أو بورما. المهم ألا نحتفل إلا على استحياء، تحت شعار أننا شعوب تحب الحياة ماشاء الله علينا!
كل حياة وأعيادكم بخير، يا من بقيتم على قيد العيش، والأمل.

التعليق