مروان المعشر

زليخة أبو ريشة ومعركة التنوير

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016. 12:07 صباحاً

الحملة الشرسة ضد الكاتبة والمربية الفاضلة زليخة أبو ريشة، ليست معركة بين الدين والتنوير، كما يريد مطلقو الحملة أن يصوروها؛ والدين لم يكن يوما ضد التنوير. وهي ليست حملة موجهة ضد السيدة أبو ريشة فقط، ولكنها حملة ضد كل من يجرؤ على الوقوف أمام من يصر على تفسيرات ضيقة للدين لا تصمد أمام البحث والتمحيص الديني نفسه، وضد كل من يدعو لمحاربة الانغلاق والتعصب.
زليخة أبو ريشة لم تتعرض للدين، وهي المربية والعالمة والمثقفة التي أعطت الكثير، وحاربت التطرف منذ أكثر من أربعين عاما. لكننا رأينا هذه الظاهرة في العديد من المرات؛ إذ كلما طالب أحد بالانفتاح الفكري والتسامح واحترام الآخر، استنفر البعض ممن يرغبون في استمرار احتكار تفسيرهم الضيق، بل الخاطئ للدين، وممن نصّبوا أنفسهم موزعين لصكوك الوطنية أو التخوين، للهجوم الشرس على دعاة الحداثة تحت غطاء التعرض للدين.
ما الذي قالته زليخة حتى استحق كل هذا الهجوم؟ زليخة كتبت عن خطاب كراهية الآخر في التنشئة الأسرية أو في المدرسة، أو المجتمع، لمجرد أن هذا الآخر "مختلف في الدين أو العرق أو الجنس أو الإقليم أو البلد أو اللون أو الطائفة أو غيرها"، وحتى يصبح هذا الآخر عدوا ولو أنه شريك في الوطن. زليخة تحدثت عن سياسات الترغيب والترهيب التي تمارس من البعض، حتى اقتنع بعض الجهلاء أن العمليات الانتحارية الإرهابية سبيلهم الى الجنة، فأين التعرض للدين في ذلك؟
ما كتبته صحيح، ويمارس يوميا من نفس الناس الذين يخونونها اليوم، فيمارسون ما تحدثت عنه زليخة من تعال واحتقار لكل من يختلف مع تفسيرهم للدين والحياة.
ما يجب إدراكه أن التنوير لا بد أن ينتصر إن كنا نريد الوصول الى مجتمعات منفتحة مزدهرة وفاضلة. وهي معركة ليست سهلة، وستأخذ وقتا طويلا. وليس هناك من أمل بالوصول إلى مجتمع متسامح، ما لم يدرك هذا المجتمع أن هذه ليست معركة زليخة أبوريشة وحدها، بل معركة كل من يؤمن بالتسامح والتنوع ضد كل من يريد الدفاع عن التعصب والتعالي والانغلاقية. ولم يخض المجتمع هذه المعركة بعد لأنه مرعوب؛ فالقوى الظلامية نجحت حتى الآن في تصوير من يطالب بالتسامح واحترام التنوع، بانتقاد الدين؛ وهذا بالطبع  خطير وغير صحيح.
ما العمل؟ يجب، أولا، الاعتراف بأن أنظمتنا التربوية فيها الكثير من الانغلاق والإقصائية. وخطاب التكليف الملكي للحكومة كان واضحا من ناحية مراجعة الأنظمة التربوية مراجعة جادة. وحتى يتم ذلك، من الضروري الاتفاق على فلسفة جديدة للتعليم، تتيح مراجعة المناهج المدرسية وطرق تدريسها، ليس من زاوية تعديلات طفيفة هنا وهناك تنتبه إلى الجزئيات ولا تعالج الإطار العام، بل فلسفة تتيح تعلم النشء مبادئ المواطنة المتساوية للجميع، واحترام الآراء والأديان الأخرى من دون استعلاء أو تكبر.
ولن تنجح الدولة في هذا الجهد من دون أن يكون هناك جهد مواز من المجتمع المدني، يدعم أي تحول نحو احترام التنوع الثقافي والديني والجندري، ويساهم في اقتراح الأساليب الكفيلة بذلك، خاصة مع وجود معارضة واضحة داخل وزارة التربية للقيام بذلك.
كلنا اليوم زليخة ابو ريشة إن كنا نؤمن بفكر تنويري لا تعارض فيه مع الدين الحقيقي، وفيه كل التعارض مع من يريد أن يوطن الفكر في العصور الوسطى. مستقبل أبنائنا وبناتنا يعتمد على عدم سكوتنا بعد اليوم، وعلى العمل المبادر لإصلاح ما أفسدته عقود من الانغلاق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدين والتنوير (د أيوب ابودية)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    ربما كان بزوغ بعض الديانات تنويرا ولكن فيما بعد حمل الدين على النهضة والتنوير حملة شعواء لأن في التنوير أما بذور إقصاء الدين عن السياسة كما حدث في الثورة الفرنسية أو التجديد فيه كما حدث في البروتستانتية نحو القرن السادس عشر. واليوم أرى أنه ينبغي حمل لواء التجديد في الإسلام وبعكس ذلك واضح ان فناء هذه الأمة على الطريق! لذلك نقول نعم لنصرة الأديبة زليخة ونعم لتأسيس منتدى للحوار التنويري.
  • »زليخة (ريم)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    استاذ مروان لسنا كلنا زليخة
    تكلم عن نفسك
  • »نعم ولكن ؟! (فادي)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    كلام سليم، لكن ما فائدة تعديل وتغيير الاساليب و المنهجيات التربوية اذا كان الخطاب التربوي و الديني في المنزل و في الحارة و في دار العبادة مختلف تماما ؟! فهل يعتقد أحد بأنه من السهل حقا اقناع أو اجبار اطياف ومكونات المجتمع المدني على التغيير و العمل بجهد مواز للجهد الحكومي ؟

    لكن ما يثير استغرابي فيما اقرأ هو الاشارة الى وجود معارضة من داخل وزارة التربية و التعليم !! يا لها من مهزلة حقيقية، طيب اذا كان ذلك في وزارة التربية فماذا سيكون عليه الحال اذن داخل وزارة الاوقاف في حال وجود توجه لتعديل الخطاب الديني في دور العبادة ؟!!
    ارى بان المشكلة عقائدية و باتت متجذرة على مستوى الفرد و الاسرة و المجتمع بشكل يصعب حله، لدرجة أنه من الممكن لشخص أن يقدم لك المديح و يظهر لك التأييد على ما جاء في هذا المقال و عند عودته للمنزل و سماعه لخبر تفجير انتحاري في دولة أوروبية صديقة (ليست شقيقة عطفا على التمييز العرقي و رفض الاخر) فيقول أمام أسرته و ابنائه "عفية عليهم"
    فهل تستطيع الحكومات اصلاح ما افسدته الشعوب ؟!!
  • »مواطن (مواطن)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    المناهج ليس لها دخل ،
    ما دخل الانتحاريين من اوروبا بالمناهج العربية
    أنا لا اصدق ولا أؤمن بالتمجيد والتعظيم والمدح الموجود بالمناهج
  • »مواطن (مواطن)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    المناهج ليس لها دخل ،
    ما دخل
  • »ما طرح في مقال السيده زليخه (منذر بني هاني)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    ما تفضلت به السيده زليخه هو ان كل مراكز تحفيظ القران تحض على الكراهيه وهذا يجب ان لا يكون من كاتبه تتابع ،الاءنغلاق الفكري والارهاب الديني يوجد في كل الاديان السماويه عند فءه لا تقتنع الا بوجهه نظرها نتيجه تعصب اعمى او قصور فكري او بيءه مغلقه ،هناك مراكز تحفيظ قران هدفها ان يكون الطفل متواصلا في قراءه القران كما هو والباقي يعتمد على ثقافه وتوجيه وتدريس وافهام الطفل للعقيده وهذه مسوءليه البيت والمدرسه في ابعاد الطفل عن التعصب، لا تهدي من احببت ان الله يهدي من يشاء
  • »نعم انها الحقيقه (زياد عبد المعطي)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    ما تناوله مقالكم الكريم هو عين الحقيقه والكاتبه الكبيره زليخه ابو ريشه تستحق كل تقدير
  • »سبب جرائم الإرهاب جوانب سلبية نشرتها الثقافة الغربية (تيسير خرما)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    يحاول البعض ربط الثقافة العربية الإسلامية بجرائم إرهاب عبر العالم ويتجاهلون علاقة جوهرية بين مرتكبيها وبين جوانب سلبية بثقافة غربية معاصرة سيطرت على شباب العالم من تساهل في هدر القيم الإنسانية الأساسية التي قامت عليها الأديان السماوية وتلاشي قدرة العائلة على تربية أبنائها أمام سيل جارف من أفلام أكشن مرعبة وألعاب إلكترونية متوحشة مع وفرة أسلحة فردية فتاكة ومتفجرات متطورة وإنترنت خارجة عن السيطرة لغسل أدمغة وتجنيد وتدريب بينما توفر أي جهة سرية موارد وإدارة وتخطيط عمليات وأي جهة أخرى ترى فتتبنى.
  • »مؤسف (ا.د. نجيب ابو كركي / استاذ الجيوفيزياء وعلم الزلازل - الجامعة الاردنية)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    ان ما ذهبت اليه السيدة زليخة ابو ريشة وخاصة في كلماتها الثلاث والثلاثين حول مراكز تحفيظ القرآن الكريم واطفال الوطن لا يؤدي الا الى نتائج عكسية بخصوص ما رمت اليه مقالتها في الغد وينم بنظري عن تعميم خاطئ وسوء تقدير وبه اذكاء وتأجيج لعواطف سلبية نجح مجتمعنا في ابقائها ضمن ادنى الحدود الممكنة على سطح الكرة الارضية فمظاهر التآخي والتعايش والتكافل هنا اكثر من ان تحصى ان تم النظر اليها بانصاف وتجرد وحيادية دون افكار مسبقة مقولبة وهي اصلب من السائد حاليا في ارقى الدول الديموقراطية المتنورة لا بل من تدعي قيادة التنوير في العالم. للاسف موضوع اثير في الوقت غير المناسب وباسوأ قالب ممكن. وبصراحة مطلقة لا اظن ان نتيجة محاولات تجميل او تسويغ ما ذهبت اليه الكاتبة من قامات لها وزن ورصيد معين من الاحترام في الوطن الا تآكل جزء من ذلك الرصيد وهو ما لا نحتاجه على ضوء ندرة مثل تلك القامات التي ما زالت لها نظرة وكلمة محترمة في المجتمع الذي يعاني مظاهر العوز والشعور باختلال المعادلة المعيشية بشكل فادح.
  • »طاعون الجهل (Wajdi btoush)

    الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
    السيدة الفاضلة لم يحاربها من يتمتع بعلم او سعة افق او معرفة بل حاربها الجهلاء