ماجد توبة

الإعلام.. وفوضى حكايا الجدّات

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2016. 11:06 مـساءً

على مدى أكثر من نصف ساعة تقريبا، ضخت المذيعتان وبعض المستمعين والمستمعات للإذاعة المحلية، كماً غير قليل من "الشعوذة" والخرافات، وحديث الجدات عن السحر و"الحجابات" وتأثير الجن، والتي تحرم المعافى من صحته، والغني من ماله، والزوجة الرضية من زوجها المسكين. كنت استمع طوال مشواري في السيارة من البيت إلى العمل صباحا لسيل من القصص والحكايا و"النصائح" حول "الحجابات" و"العمل" والحسد، الذي ترك المستهدفين به مرضى أو فقراء أو مطلقين أو كئيبين محبطين!
لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي أستمع فيها لنقاشات وحكايا حول السحر و"الحجابات" والحسد والخزعبلات، التي تقدم تفسيرات وتخريجات ميتافيزقية (فوق طبيعية) وخرافية لمشاكل وقضايا حياتية وأزمات شخصية أو معيشية للناس، لكنها ربما تكون من المرات النادرة التي أستمع فيها لمثل هذه النقاشات والحكايا عبر أثير إذاعة محلية مسموعة، وفي برنامج مرح وخفيف الظل، أعتقد أن ثمة إقبالا عليه من المستمعين.  
إحداهن تحدثت عن قصة عائلتها مع الهبوط من مرحلة البحبوحة الاقتصادية والمعيشية إلى مرحلة الفقر والشدة، لتقدم لنا خلاصة القصة بأن خادما كان يعمل لدى العائلة اعترف لهم بعد سنوات بأنه كان وضع لهم "حجابا" سحريا يقطع الرزق! وأخرى تحدثت عن مرحلة من الكآبة ومرض نفس/ جسدي (كما بدا من شرحها) لتكتشف، أو بالأحرى يكشف لها "مشعوذ"، أن ثمة "حجابا" وعملا سحريا قد دبر لها بليل! وغيرها من القصص، التي أؤمن أنها استحوذت على انتباه اغلب مستمعي البرنامج ذلك اليوم.
خطر ببالي أن اتصل بالبرنامج الإذاعي يومها، وأن "انكش راسي"، وأن أسرد عليهم حكايات أكثر أثارة وإبهارا عن "حجابات" وأعمال سحرية، وعيون حساد، يفوق مفعولها أسلحة الدمار الشامل، وحقا فلدي من هذه الحكايا الكثير، والتي أعرف أبطالها، ممن توهموا حد القناعة، بأنهم تعرضوا لسحر و"حجابات" وحسد!
المهم، أنني لم اتصل بالبرنامج، لكن السؤال في رأسي بقي معلقا منذ أكثر من شهر، أي منذ استمعت لذلك البرنامج الصباحي، وهو عن المسؤولية الاجتماعية، التي يضحى بها في مثل هذه الحلقات والبرامج من قبل الوسيلة الإعلامية العامة، التي تستبدل دورها التنويري والتوعوي بترويج خزعبلات وخرافات لجهلة أو مرضى أو بسطاء يرزحون تحت ثقل هموم معيشية وحياتية، وسط ثقافة شعبية، وأحيانا نخبوية، مشوهة ومضللة، تركبها عقد وفهم مغلوط للتراث والدين.
ما أغاظني أكثر في تلك الحلقة من البرنامج الإذاعي هو انشغال المذيعتين بحجم التفاعل مع مضمون وحكايات الحلقة، وعدم لجوئهما إلى الاستعانة برأي طبيب نفسي مثلا لتفسير بعض الحالات التي قدمت في البرنامج على أنها ضحية حسد أو سحر أو "حجاب"، أو الاستعانة بمختصين بعلم النفس أو الاجتماع أو حتى بمختصي شريعة متنورين، للتنبيه إلى خطورة الانجرار وراء تفسيرات خرافية وغيبية لمشاكل حياتية ونفسية واجتماعية، ما يوفر بيئة مناسبة لنصابين ومحتالين من مشعوذين وادعياء التقى الديني، لممارسة جرائمهم واحتيالاتهم.
كما أن المشكلة في ترويج مثل هذه الخرافات والتفسيرات الغيبية المضللة لأزمات نفسية وجسدية واجتماعية، هي في ترك أصحابها والمعانين منها نهبا لأزماتهم ومشاكلهم لتتفاقم وتتعمق، نظرا لعدم تشجيعهم على مراجعة أطباء ومختصين لمعالجة تلك الأزمات والمشاكل.
وإذا كانت المسؤولية الاجتماعية للإعلام هي الضحية الأولى لمثل هذه السقطة للبرنامج المذكور، فإن خلفية الصورة هي التي تقرع جرس الإنذار، فانتشار وتعمق مثل هذه الخرافات والخزعبلات، وحتى في صفوف وأوساط نخب إعلامية وثقافية وعلمية، يشي بحجم النخر والتشوه في بنية العقل العربي، وروافد تأسيسه وتشكيله!

التعليق