حاورته: حنان الكسواني
عمان - وجه أحد أقطاب مركز الحوار الإسلامي المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية البروفيسور عودة مهاوش الدعجة انتقادات لاذعة للسياسات الأميركية الخارجية، واصفا إياها بـ"المتخبطة" لاحتكامها لعوامل التناقض في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط ودعمها اللامتناهي لإسرائيل.
وتوصل أستاذ الديانات المقارنة في جامعة سانت تاموس في الولايات المتحدة خلال دراسة بحثية قدمت العام الماضي للكونغرس الأميركي والبيت الأبيض إلى أن "الإسلام يرفض الحرب الهجومية ولا يؤمن إلا بالحرب الدفاعية، وأن تعاليم الدين الإسلامي لا تجيز استخدام أسلحة الدمار الشامل لأنه يحترم النفس الإنسانية".
واستعرض الدكتور الدعجة في حوار أجرته معه "الغد" خلال زيارة قام بها للأردن مؤخراجزءا من بحثه الصادر عن مركز الحوار الإسلامي المسيحي التابع للفاتيكان في أميركا بعنوان "أخلاقية الحرب والأسلحة النووية في الإسلام"، تضمنت نماذج تاريخية خالف فيها المسلمون تعاليم الدين الإسلامي باسم الجهاد، لافتا إلى أن بعض الفرق الإسلامية سيست عقول الشباب وأدخلت العالم والمسلمين في أبحر دموية، "أسهمت بتشويه صورتنا في الغرب ما يتطلب حوارا مدروسا لتغيير تلك الصورة السلبية".
من منطقة طبربور إلى الكونغرس الأميركي، استعرض رئيس لجنة رجال الأعمال الأميركيين في الكونجرس الأميركي المنتخب العام 2004 عن دوره الاقتصادي والديني فيه، قائلا في حديثه لـ"الغد" إن هذا البلد الصغير بجغرافيته الكبير بأهله يمكن أن يلعب دورا قياديا في مسيرة الأمة العربية نحو الرقي والإصلاح ليكون مثالا على تجاوز كل التحديات من دون الخوض في الدمار واستهلاك قدرات البلد، متوقعا أن يكون مستقبل الأيدي العاملة والتطور العلمي في أيدي الشعوب الإسلامية، ما يقود لا محالة إلى تطور سياسي يتبعه تطور اقتصادي واجتماعي.
رغم أن الدعجة قضى ما يزيد على 30 عاما في أميركا تولى خلالها إدارة أكبر شركات في مجال هندسة الكمبيوتر، إلا أنه لم يغفل عن واجبه الوطني تجاه بلده الأم، عندما طالب الحكومة الأميركية بإعادة مخطوطات (لفائف) البحر الميت التي عرضت "بجرأة" في معارض بعض ولاياتها، مذكرا بـ"انحياز أميركا السافر لجانب دولة إسرائيل ومساهمتها في تغطيتها على سرقة إرث تاريخي وديني عظيمين ومهمين للعالمين الإسلامي والمسيحي"، ما يتطلب وقفة جدية لاسترجاعها.
وحذر الدعجة من فئة دينية أميركية بعينها تتدخل لدى أعضاء الكونغرس الأميركي لممارسة ضغطها لتشويه صورة المسلمين، من خلال مغالطات دينية تتهم المسلمين باضطهاد أصحاب الرسالات السماوية الأخرى؛ ويؤكد أن التحرك بات ضروريا لتكذيب مزاعم هذه الفئة عبر انطلاق حوار الأديان، مشيرا إلى أن هذا ما يعمل عليه مجموعة من الأكاديميين الأميركيين الذين لهم معرفة واسعة بالواقع الديني في المنطقة العربية والإسلامية، إذ بدأوا بحملة واسعة في الولايات المتحدة لتكذيب مزاعم هذه الفئة التي تستهدف إثارة الفتن بين المسلمين والمسيحيين.
ويقول الدعجة إن ضوابط الحوار تقوم على أصول رسخها السلف من العلماء الذين بذلوا الجهود في تمحيص الآراء المتباينة، وتجلية الإشكالات المتوقعة؛ من أهمها الاعتراف بالآخر والإنصات والاستماع وتجريد الأفكار، والصدق والوضوح والعلم والعدل والتحاور العلمي.
ويبين الدعجة فيما يتعلق بحوار الأديان أن أتباع الديانة الإسلامية والمسيحية أسرع استجابة للحوار من أتباع الديانة اليهودية، ويعود ذلك إلى سيطرة الحركة الصهيونية السياسية على القرار الديني اليهودي.
وفيما يلي نص الحوار:
• انتقدت السياسة الخارجية لواشنطن واعتبرتها متخبطة تنقصها الخبرة اللازمة في احترام المصالح المشتركة لسكان منطقة الشرق الأوسط ودعمها اللامتناهي لدولة إسرائيل؟
- تفتقر سياسة واشنطن الخارجية للخبرة اللازمة في التعامل مع سكان الشرق الأوسط التي قوامها الفهم واحترام المصالح المشتركة بين الطرفين، غير أن احتكام السياسة الأميركية لعوامل التناقض بين حاجتها للنفط العربي والإسلامي ودعمها المطلق لإسرائيل كشف عن موقفها المتعارض مع مصالحها وقيمها المعلنة في نشر الحرية والسلام في العالم.
هذا الوضع دفع بأميركا كذلك لأن تساعد إسرائيل على ظلم واضطهاد الفلسطينيين الذين يدافعون عن أرضهم بكل السبل المتاحة، فظهرت أميركا بازدواجية في مواقفها وبأنها رائدة النفاق السياسي، فلا بد للولايات المتحدة أن تجري تعديلات أساسية في سياستها الخارجية بأن تكون أكثر توازنا في التعامل مع الشعوب الإسلامية المبنية على أساس احترام حريات هذه الشعوب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعيدة عن التهديد والعنف والتدخل في شؤونها بغير حق.
• كشف بحثك حول "أخلاقية الحرب والأسلحة النووية في الإسلام" المقدم للكونغرس الأميركي والبيت الأبيض العام الماضي، أن الإسلام يمنع أسلحة الدمار الشامل لكنه في أيدي من يعتدي عليهم، فكيف يتعامل المسلمون مع هذا الواقع؟
- أبحر بحثي الذي أعد لصالح مركز الحوار الإسلامي المسيحي "وحصل الكونغرس والبيت الأبيض الأميركي على نسخة منه" في أخلاقيات الحرب وليس قانونيتها، فتوصل إلى أن تعاليم الإسلام لا تسمح باستعمال أسلحة الدمار الشامل لأنه يحترم النفس الإنسانية، وذلك من خلال استنباط اجتهادي على أن الإسلام منع استعمال السم والحريق في الحرب، وتم تطبيق هذه القاعدة على العصر الحاضر بتصنيع الأسلحة النووية والكيميائية، وحقيقة أنني طرحت هذا السؤال ضمن دراستي ولم أجب عنه في موضع البحث، فقد جعلته موضع نقاش حول أحقية المسلمين حسب تعاليم الإسلام أن ينتجوا أسلحة كردع، ولا يجب استعمالها؟ لكن برأيي الشخصي أنه يجوز بل قد يجب تصنيع الأسلحة بكافة أنواعها للردع، لكن استعمال بعض منها وبخاصة المدمرة الأسلحة محرما، وبناء على هذه النتيجة درست رأي إيران في إنتاج الأسلحة النووية عقب الرجوع إلى فتاوى من علماء وفقهاء في الدين أجمعت على عدم جوازية تصنيع أسلحة الدمار الشامل، وهذه القضية الجدلية كانت موضع اهتمام القادة السياسيين في أميركا، الذين أدركوا أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يمكن أن تؤمن بتصنيع الأسلحة النووية بخلاف تعاليم الدين الإسلامي، ومن ثم فسياسة أميركا الضاغطه على إيران واتهامها بالرغبة في تصنيع أسلحة نووية ليس له مبرر، وبرأيي أن إيران لن تجازف بالظهور بمظهر المخالف لتعاليم الدين الإسلامي.
ولن يغيب عنا أن دوافع أميركا بالنهاية مرهونة برأي اللوبي الإسرائيلي الذي يولد الضغوط على إيران لأسباب عقائدية أكثر منها سياسية، رغم أن الرئيس أوباما يؤمن شخصيا بأن الحوار هو الطريق الصحيح للتعامل مع المسألة النووية الإيرانية، وأعرف هذه المسألة شخصيا، فقد كتبت والعقيد وين كويست حول أسس السياسة الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط عندما دخل أوباما الانتخابات، فوجدنا أنه ضد مواجهة إيران بهذه الطريقة، لكنه بالنهاية هو رجل تنفيذي لن يتمكن من مواجهة اللوبيات الصهيونية.
• تطرقت من خلال بحثك العلمي"الأخلاقي" إلى بعض إخفاقات المسلمين التاريخية ومخالفتها لتعاليم الإسلام منها استغلال بعض الفرق الإسلامية المسيّسة التي أوقعت المسلمين في أبحر دم هم بالغنى عنها، ما تعليقك؟
- توصلت من خلال البحث إلى أن المسلمين في كثير من الأحيان أخطأوا وخرجوا عن تعاليم الإسلام باسم الجهاد، رغم أن أغلب الغزوات الإسلامية استعملت فيها الأخلاقية الدينية في التعامل مع الآخرين، إلا أن البحث رصد تاريخيا، أن هناك إخفاقات وقع فيها المسلمون من مثل استعباد الأيوبيين للأوروبيين وإحضارهم إلى مصر، وبذلك أوجدوا طبقة أخرى اسمها المماليك (العبيد البحريين) وهذا مخالف تماما لتعاليم الإسلام، كما تطرقت إلى استغلال الإسلام من قبل بعض الفرق الإسلامية، وخطرها أكبر على الإسلام عندما تحولت في النهاية إلى أداة في أيدي سياسيين أوقعوا الإسلام والمسلمين في أبحر دموية كنا بغنى عنها، كما أن من الأهداف السياسية لـ"القاعدة" تسييس عقول الشباب المسلم لوضع الإسلام في القالب الجهادي فقط، بعيدا عن كل القيم الإسلامية العظيمة الأخرى، فرغم أنني اتفق معهم بطروحات مفادها أن الغرب يعتدي على بلاد المسلمين، لكني أخالفهم بما يدعون إليه من مهاجمة المسلمين بعضهم بعضا، وضرب المنشآت المدنية بما فيها المساجد والفنادق وغير ذلك، وهذا خطأ فادح وأخالفهم فيه، كما أن المنظومة الدينية السلفية بشكل عام لعبت دورا كبيرا في تسييس الدين لصالح بعض الأنظمة، وباتت الفتاوى تتلون وفق احتياجات هذه المدرسة.
• بوجهة نظرك كيف يمكن استثمار القرار السياسي المتعلق بحوار الأديان السماوية لإنجاز التصالح الديني؟
- إن الغطاء السياسي يفتح الطريق أمام المؤسسة الدينية لاستثمار اللحظة التاريخية المدعومة سياسيا، ما يتطلب توسيع قاعدة الحوار الذي لا يمكن الإعراض عنه باعتباره مطلبا دينيا مشروعا، نظرا لحاجة أصحاب الديانات السماوية للحوار والتفاهم لمواجهة ما تعانيه البشرية من تهديد للجنس البشري. كما أن الغطاء السياسي المتوفر الآن لحوار الأديان هو بمثابة رسالة قوية للتحرك في فضاء الحوار مع الآخر، وإلا ستتسع الفجوة بين الديانات بشكل يعمق خلافاتها، مع العلم أنه لم تعد هناك أي تبريرات بعد الآن لتحميل مسؤولية عراقيل الحوار إلى المؤسسة السياسية.
نحن نتعامل مع الدين الإسلامي باعتباره دينا عالميا توحيديا لأنه اعترف منذ البداية بالديانات السماوية التي سبقته، وبالتالي تعامل مع أتباع هذه الديانات، واعترف بوجودها وحريتها وإمكانية التعايش معها وضمن لها حياة آمنة، وبخاصة أن الإسلام اعتمد مبدأ الحوار مع جميع الديانات من دون أن يستهدفهم وقد سعى إلى ذلك ونجح، غير أن هيمنة المؤسسة السياسية على المؤسسة الدينية أدت بهذا الحوار إلى التراجع، وأما السبب الثقافي اتضح شيئا فشيئا للناس جميعا أن العلم مهما تطور فإنه لا يغطي إلا الحاجات المادية للناس، ولكن يبقى هناك ظمأ روحي، وتبقى هناك حاجة أخلاقية ويبقى المجتمع بحاجة إلى القيم وبحاجة إلى المثل، وهذا أمر لا يقدمه سوى الدين، فإن الذي يبني الأخلاق والذي يعطي المثل والذي يرسخ القيم هو الدين ولا يمكن للإنسانية أن تتقدم من دونه، ويتضح أن الإنسانية التي تريد أن تمشي على العلم وحده سوف تخطو برجل عرجاء، واتضح أيضا انه لا يوجد أي تصادم بين الدين الصحيح وبين الحقائق العلمية الثابتة، وإنما يمكن أن يكمل أحدهما الآخر وكلاهما يسيران في خط تكاملي.
• ألا تعتقد أن جهود قادة علماء العالم الإسلامي في تغيير صورة المسلمين في الغرب وبخاصة عقب أحداث أيلول (سبتمبر) الأميركية مبتورة؟
- يوجد محاولات جادة في تغيير صورة المسلمين في الغرب، فقد طلبت مني جامعة سانت تاموس الأميركية أن أدرس مقارنة الأديان وتاريخ الشرق الأوسط الحديث، ومن ثم التحقت بمركز الحوار الإسلامي المسيحي التابع للفاتيكان في أميركا بقيادة شخصيات إسلامية ومسحية تتشارك بهدف واحد هو تحسين صورة المسلمين في العالم المسيحي عن طريق الحوار المدروس والمبرمج، وقد تم تمكين علماء المسلمين بالتعاليم المسيحية، وكذلك النشطاء المسيحيين على الفروق بين المذاهب والاتجاهات الإسلامية حتى لا يحكم على بليون ونصف البليون مسلم بأفعال قلة، بالمقابل لا نريد أن يحكم على الأغلبية المسيحية بتصرفات بعض حكومات أو المتطرفين المسيحيين.
ولا بد من الإشارة إلى أن فئة دينية أميركية بعينها تتدخل لدى أعضاء الكونغرس الأميركي لممارسة ضغطها لتشويه صورة المسلمين من خلال مغالطات دينية تتهم المسلمين باضطهاد أصحاب الرسالات السماوية الأخرى، فإن التحرك بات ضروريا لتكذيب مزاعم هذه الفئة عبر انطلاق حوار الأديان. وهذا ما تعمل عليه مجموعة من الأكاديميين الأميركيين الذين لهم معرفة واسعة بالواقع الديني في المنطقة العربية والإسلامية، إذ بدأوا بحملة واسعة في الولايات المتحدة لتكذيب مزاعم هذه الفئة التي تستهدف إثارة الفتن بين المسلمين والمسيحيين.
فضوابط الحوار تقوم على أصول رسخها سلفنا من العلماء الذين بذلوا الجهود في تمحيص الآراء المتباينة، وتجلية الإشكالات المتوقعة من أهمها الاعتراف بالآخر والإنصات والاستماع، وتجريد الأفكار والصدق والوضوح والعلم والعدل، والتحاور العلمي.
لكن من الملاحظ في حوار الأديان أن أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية أسرع استجابة للحوار من اتباع الديانة اليهودية، ويعود ذلك إلى سيطرة الحركة الصهيونية السياسية على القرار الديني اليهودي.
• قمت مؤخرا بإطلاق دعوات لعقد مؤتمر في عمان للبحث في وسائل توحيد الأمة لمحاصرة ووأد محاولات الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، والتي بدأت تطل برأسها بتحريك من جهات تستهدف ضرب العمق الإسلامي؟
- إن العلاقة بين المسلمين بدأت تتخذ في تفاصيلها وجزئياتها طابعا متوترا، الأمر الذي يتطلب الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى تنفيذ الحلول. بما أن الطائفية خطر كبير وتجاهلها يوقع في الخطر الأكبر، فيمكن تشبيه إثارتها بـ"كرة الثلج" التي يسعى من يدحرجها إلى إغراق الأمة الإسلامية في الدماء، مما يتطلب تكاتف الجهود بين علماء السنة والشيعة لإفشال المخططات التي تستهدف الأمة الإسلامية، وتحريك هؤلاء العلماء على السواء لإجهاض مخططات إثارة الفتنة، والتوحد والتلاقي على مائدة الحوار لنزع فتيل أزمة تخطط بعض الجهات لتفجيرها. وأعتقد أن محاولات تسييس الطائفية سيدخل المسلمين في أكبر شرخ يمزق وحدة صفهم ويغرقهم في مستنقع فتنة قاتلة ومدمرة. فالعالم الإسلامي يعج في بعض أجزائه بالانفجار الطائفي والاقتتال، وفي الأجزاء الأخرى يقف على حافة الانفجار، ما يتطلب قيام السنة والشيعة على السواء بإعادة تأسيس الحوار فيما بينهم في الإطار السياسي والاجتماعي.
إن الحلول للإشكاليات والأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية يجب أن تأتي من داخل الأمة وتراثها وثقافتها وعقديتها، وأن ندرك مخاطر الانجرار وراء الاختلافات الطائفية والفئوية، وأن ذلك يعصف بأمن الأمة ووحدتها ويشوه صورتها الحضارية، وهناك أعداء متربصون بها وبمستقبل أبنائها. وعليه أناشد الأمة الإسلامية إلى البعد عن كل العصبيات الضيقة، والتقريب بين مختلف المذاهب، والنظر إلى مصلحة الأمة ووحدتها ووضعها فوق كل اعتبار، وإعلان البراءة من كل ما يشوه نقاء العقيدة الإسلامية وصورتها الحضارية المشرقة.
• إذن ما هو المطلوب لتحقيق مشروع حوار الأديان وبخاصة أنك انتقدت ازدواجية الخطاب الديني ووصفته بإحدى عقبات الحوار؟
- إن المطلوب أن يهيأ المناخ المناسب للتعايش بين الديانات، ولا بد من اتخاذ خطوات من دونها يبقى حوار الأديان مجرد شعار يرفع، مع أننا نريد له أن يتحول من مرحلة الشعار إلى ترجمة عملية في على أرض الواقع. بداية لا بد أن يكون الحوار بغرض التعرف، تعرّف الأديان على بعضها البعض وخصوصا وأن هناك أفكارا قد تكون مشوهةً لدى أتباع كل ديانة عن الأخرى، والبحث عن القواسم المشتركة، ويستمد الحوار شرعيته من الإسلام نفسه لإن الإسلام دعا إلى حوار الأديان، والإسلام وبالنسبة إلى الديانات السماوية أراد لهذا الحوار أن ينطلق من القواسم المشتركة ويفعلها، فهو الذي يشكل نقطة انطلاق للتعاون والتنسيق على المستوى العالمى على أرضية دينية ولإظهار التفاهم والتعاون بين الديانات السماوية، إن المسلمين والمسيحيين يقفون الآن أمام فرصة تاريخية من شأنها إعادة استئناف الحوار، والخروج من ازدواجية الخطاب الديني الضيقة التي يشكل استمرارها تعميقا للشرخ بين المسلمين والمسيحيين.
وهذا يتطلب قراءة جديدة معاصرة للدين سواء كان مسيحيا أم إسلاميا، تتم فيها إزاحة جميع التأويلات المشرعة لاضطهاد الآخر أو تدميره داخل الدين نفسه قبل طرح فكرة حوار الأديان؛ أي بمعنى آخر إزالة جميع المخاوف والتأويلات الصادمة ضد الآخر لكي نحقق أرضية أولى لاحتضان هكذا حوار بين الأديان، على أن تتكاتف جميع الأديان للعمل على إذابة الجليد العدائي المتراكم منذ عقود طويلة.
• بما أنه تم اختيارك في العام 2004 لرئاسة لجنة رجال الأعمال الأميركيين في الكونجرس، ما هو الدور الذي قمت به ضمن صلاحياتك؟
- إن الدور الأساس الذي نقوم به هو دفع حركة الاقتصاد باتجاه التطور والرقي، وتمثيل مصالح القطاع الخاص بين أصحاب القرار السياسي، ولقد كانت الفرصة مواتية لي لتبديد مخاوف رجال الأعمال في الولايات المتحدة الأميركية حيال تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الاستثمارات الاقتصادية في الأردن. فحملت رسالتي المباشرة لهم نحو الاستثمار في الأردن كون أبوابه مفتوحة في جميع القطاعات للاستثمار. كما أن قادة الولايات المتحدة الأميركية يقدرون الدور المهم الذي يلعبه الأردن في المنطقة، خصوصا وأنه يمثل عنصر أمن واستقرار في الإقليم وأنموذجا يحتذى به في مجال الحريات السياسية والدينية.
ولا بد أن أذكر أن مستقبل الأيدي العاملة والتطور العلمي يكمنان في أيدي الشعوب الإسلامية، ما يقود لا محالة إلى تطور سياسي يتبعه تطور اقتصادي واجتماعي. إضافة إلى العوامل الأخرى كمصادر الطاقة والموقع الاستراتجي والجغرافي لدول الشرق الأوسط التي تحتم مرور أكثر من ٨٠٪ من موارد التجارة العالمية من خلال المنطقة لكي تحافظ على قيمها الاقتصادية.
• ما هو تقييمك للحركة الإصلاحية في الأردن؟
- الذي يبدو جليا أن الحركة الإصلاحيه في الأردن تبدو مرتبكة، إذ إنها لا تدري إذا كانت تريد الإطاحة بكل حكومة أم أنها تريد القضاء على الفساد، أم هل تريد ملكية دستورية! الكل ينظر إلى الاخوان المسلمين ليقوموا بدور قيادي في هذه الحركه الإصلاحية، لكن يبدو أن الإخوان ليسوا بقادرين على القيام بهذا الدور الآن، وذلك لأسباب عدة، منها أن الحركة منقسمة داخليا، مما يؤثر على قدرتها في إدارة هذا الحراك الإصلاحي، إضافة إلى التشويش الحكومي المبرمج ضد هذه الحركة، ما يقلل من إيمان الإصلاحيين بقيادية الإخوان، وثالثا إن الإخوان لم يستطيعوا إلى الآن أن يبلوروا رسالتهم بشكل واضح ومفهوم للشارع الأردني كما فعلوا في مصر مثلا. مع أنني أقدر واحترم الدور الذي قام به الإخوان في إحياء الضمير الديني لدى الأمة، والإبقاء على الوعي السياسي مقابل التيارات الداخلية والخارجية.
ولا بد لي من القول هنا إن التشكيك الذي يطرحه البعض في نوايا الإخوان وأين يريدون أن يأخذوا هذا البلد ليس له مبرر، فالإخوان لا يريدون للأردن إلا الخير والرقي تحت مظلة الإسلام الحنيف.
• كيف تعاملت الحكومة الأميركية مع طلبك بمنع عرض مخطوطات البحر الميت في عدة معارض في ولاياتها، وإعادتها للأردن نظرا لأهميتها الدينية والتاريخية؟
- اعترضت على عرض هذه المخطوطات في بعض المدن الأميركية لدى المسؤولين في الحكومة الأميركية، وطالبت بشدة بوقف عرضها وضرورة إعادتها للأردن لما لها من أهمية دينية وتاريخية.
وكانت الخطوات العملية بأنني بدأت "شعبيا" بدعوات جادة لمقاطعة المعرض الذي تعرض فيه المخطوطات، من منطلق أن عرضها بهذه الطريقة يشكل سطوا على التاريخ والممتلكات التي تؤكد الوقائع أن مالكها الأصلي هي حكومة المملكة الأردنية الهاشمية.
ولم أجد آذانا صاغية لدى المسؤولين في الحكومة الأميركية عندما طلبت ضرورة وقف عرض مخطوطات البحر الميت ومصادرتها وإعادتها إلى الأردن، ما يؤكد انحياز أميركا السافر إلى إسرائيل، ومساهمة منها في التغطية على سرقة إرث تاريخي وديني، ما من شأنه الإبقاء على الصورة النمطية عن انحياز الولايات المتحدة.
وسط هذا التعنت الشديد من قبل تلك الحكومات، لا بد من تكثيف جهود الحكومة الأردنية لإعادتها استنادا إلى معاهدة لاهاي الموقعة العام 1954 حول حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة، وممارسة المعنيين دورهم الأخلاقي بالحفاظ على الحقوق التاريخية للشعوب، وبخاصة أن الأردن طلب عدة مرات من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) التدخل لدى إسرائيل من أجل استعادة مخطوطات البحر الميت.
السيرة الذاتية
- ولد في عمان في العام ١٩٥٩، وتخرج من مدرسة التاج الثانوية، وتابع دراسته في الولايات المتحدة، وحصل هناك على درجة البكالوريوس في هندسة الكمبيوتر في جامعة منسوتا، وليكمل دراساته العليا في إيران.
- عاد إلى أميركا في العام ١٩٨٧ وانخرط في مجال الكمبيوتر، وأصبح رئيسا لعدة شركات لمدة ٢٦ عاما، ابتكر خلالها أحدث البرامج في كافة مجالات الكمبيوتر.
- اختير من قبل عضو مجلس الشيوخ الأميركي توم ديلي رئيسا لمجلس إدارة مستشاري رجال الأعمال للكونغرس، وما يزال يشغل هذا المنصب منذ العام ٢٠٠٤.
- يدرّس حاليا في جامعة سينت توماس في ولاية منيسوتا الاميركية مواد الديانات المقارنة وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر من منظور سياسي.
- شارك في رسم سياسة المرشح للرئاسة أوباما، وقام بنشر عدة دراسات استراتيجية عن موقف الإسلام من الحروب وأسلحة الدمار الشامل ودراسات مماثلة أخرى، إضافة إلى كتب أخرى من أهمها: فاطمة الرؤوفة والإسرائيليات والكتاب المقدس تحت المجهر.
- يشغل أيضا عدة مناصب، منها عضو مجلس إدارة معهد نورس للتطوير الاقتصاد، رئيس مجلس إدارة شركة سكورانت، عضو مجلس مستشاري راديو أميركا العام، عضو مجلس الإدارة لشركة سبايران، عضو مجلس إدارة مركز الحوار الإسلامي المسيحي.
تسييس الطائفية يمزق وحدة صف المسلمين
يرى البروفيسور عودة مهاوش الدعجة أن على علماء المسلمين التوحد والتلاقي صفا واحدا لإجهاض مخططات إثارة الفتنة، والجلوس على مائدة الحوار لنزع فتيل أزمة تخطط بعض الجهات لتفجيرها.
ويعتقد أن محاولات تسييس الطائفية سيدخل المسلمين في شرخ يمزق وحدة صفهم، ويغرقهم في مستنقع فتنة مدمرة، فالعالم الإسلامي يعج في بعض أجزائه بالانفجار الطائفي والاقتتال في أجزاء أخرى، ويقف على حافة الانفجار، ما يتطلب قيام السنة والشيعة على السواء بإعادة تأسيس الحوار فيما بينهم في الإطار السياسي والاجتماعي.
ويؤكد البروفيسور الدعجة أن الحلول للإشكاليات والأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية يجب أن تأتي من داخلها انطلاقا من تراثها وثقافتها وعقديتها، محذرا من مخاطر الانجرار وراء الاختلافات الطائفية، وبشكل يعصف بأمن الأمة ووحدتها ويشوه صورتها الحضارية، ويتيح الفرصة لأعدائها المتربصين بها وبمستقبل أبنائها.
وناشد الدعجة الأمة الإسلامية الابتعاد عن العصبيات الضيقة، والتقريب بين مختلف المذاهب، والنظر إلى مصلحة الأمة ووحدتها، ووضعها فوق كل اعتبار، وإعلان البراءة من كل ما يشوه نقاء العقيدة الإسلامية وصورتها الحضارية.
hanan.alkeswani@alghad.jo