فضيحة الجامعة!

محمد أبو رمان

لم تكن مجرّد مشاجرة في الجامعة الأردنية، أمس؛ كانت أقرب إلى "حرب أهلية" بين طلاب على أسس عشائرية وجهوية، بدأت شرارتها قبل يومين، وأخذت تتدحرج إلى أن وصلت أمس إلى مشهد هو فضيحة حقيقية بحق التعليم والجامعات، وقبل ذلك الحكومات والمسؤولين، وكل المنافقين الذين تواطؤوا حتى أوصلونا إلى هذا القاع!
فيديوهات انتشرت أمس تظهر مئات الطلاب يسيرون كالقطيع وسط الجامعة، ويهتفون بصوت مرتفع بكلام بذيء. ثم تُسمع أصوات رصاص داخل الجامعة، ويشاهد أفراد الأمن الجامعي لا يملكون حولاً ولا قوة، يكتفون بالمراقبة. بينما لم يمنع وجود تحسّبات أمنية وتحرّزات منذ صباح أمس أولئك الطلاب، والقادمين من الخارج، من التجمهر وتحطيم الممتلكات الجامعية، واستحضار الأسلحة البيضاء؛ من خناجر وسكاكين، كما أسلحة نارية أيضاً!
خلال العام الماضي وحتى الأسبوع المنصرم، كانت هناك مؤشرات جيدة على تراجع منسوب العنف الجامعي، بعد أن وصل قبل ذلك إلى مرحلة "الذروة"، كما يقول منسق حركة "ذبحتونا" فاخر دعّاس، فقُتل عدد من الطلاب على خلفية مشاجرات في جامعات مؤتة والحسين بن طلال في الجنوب.
بعد ذلك قررت مراكز القرار في الدولة الضرب بيد من حديد وتحجيم الظاهرة، وهو ما نجح نسبياً إلى حدّ كبير. لكن المشكلة أنّ الحلول كانت تذهب -كالعادة- إلى النتائج، وتركّز على قشور الظاهرة، وليس إلى المدخلات والأسباب وجوهر المشكلة التي تعاني منها الجامعة.
ما هي الشروط والأسباب التي تؤدي إلى العنف الجامعي؛ سواء كانت مرتبطة بالجامعات أو جيل الشباب عموماً؟
لن أكرر الجواب عن هذا السؤال. وكما ذكرنا مراراً وتكراراً، فإن هناك دراسات متعددة عميقة موجودة في أدراج المسؤولين تتحدث عن هذه الظاهرة، وتوصيات من قبل اللجان المعنية التي تمّ تشكيلها للغاية نفسها، ودراسات أخرى وعشرات المقالات. فالأسباب واضحة للجميع، ونظرياً الكل متفق على التوصيف والتشخيص لجوهر الظاهرة، لكن المشكلة تقع في التطبيق العملي، وإصرار مسؤولين في الدولة على السياسات الكارثية المتبعة في الجامعات، منذ سنوات عديدة؛ سواء على صعيد الاختلالات في القبول الجامعي، و"الكوتات" التي تزج أعدادا كبيرة من الطلبة غير المؤهلين في حرم الجامعات، أو الاختلال في التعيينات في الوظائف كافة في الجامعات، وتنمية الهويات الفرعية عبر هذه السياسات.
الجامعات الأردنية التي كانت مضرب مثل عربياً بمخرجاتها، تدفع ثمناً باهظاً لغياب استقلاليتها وتدمير تقاليدها وإقحام الحسابات السياسية والجهوية التافهة فيها. وهي سياسات ما تزال قائمة ومعيبة بحق الجامعات والتعليم العالي، فيصبح اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمسؤولين الإداريين على قاعدة المحاصصة العشائرية والمناطقية!
في جامعاتنا شُحّ في البحث العلمي، وضعف شديد في مستوى الأساتذة، بخاصة في الكليات الإنسانية، وانتشار للمخدرات، وتراجع كبير في قيم التعليم. وهي تعاني من نقص الموارد والمديونية الكبيرة، بسبب الحجم الكبير من الموظفين عبر الواسطة والمحسوبية وسياسات استرضاء النواب، حتى وصل الأمر في بعض دول الخليج إلى وضعنا على القائمة السوداء ووقف ابتعاث طلبتها إلى الأردن، لتدني مستوى الخريجين القادمين من هنا.
لماذا الإنكار والتجاهل لحجم المشكلة؟ لم لا نعترف بها ونبدأ ثورة بيضاء حقيقية وقرارات حاسمة ومفصلية لإنقاذها؟ وأهم مفتاح هو استقلاليتها ومنع الحكومات من التدخل فيها، واختيار القيادات الجامعية على أسس الكفاءة بصورة موضوعية وشفافة ونزيهة، ثم وقف التدخل الرسمي في السياسات الجامعية، وفي اختيار الأساتذة والموظفين، وإطلاق الحريات الطلابية للأنشطة المتعددة.
بكلمة واحدة؛ الهدوء النسبي الأخير كان مؤقتاً. والعلاج لا بد أن يكون جذرياً. فالمشكلة واضحة، والأجوبة معروفة، لكن القرار المطلوب هو المفقود!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018