وادي بردى

صلاح ملكاوي

ما تزال إيران على أولوياتها واهتماماتها، وسورية هي الفيصل، حيث الحسم العسكري مقدم على أي جهد سياسي. وهي في سباق محموم مع الزمن، ومحاولات حثيثة لكسب الوقت وتحقيق مزيد من الانتصارات، وضم مناطق جديدة لسيطرة النظام السوري ومليشياته.
كل ذلك يتم بدعم عسكري روسي وغطاء سياسي، على قاعدة معلنة بينهما فرضها الروس، مفادها: "نمشي معكم في الحرب بشرط أن تمشوا معنا في السياسة"، على أمل أن يحظى الروس في النهاية بدور عراب السلام الذي يفرض أجندته ويلتزم بها حلفاؤه الإيرانيون ونظام بشار ومليشياتهم.
يدرك هذه الحقيقة جيدا ألفا مقاتل يتحصنون بعشر قرى، من أصل ثلاث عشرة قرية تشكل بمجموعها منطقة وادي بردى، إلى الشمال الغربي من مدينة دمشق. إذ يواجه هؤلاء المقاتلون حصارا خانقا نجم عنه نفاد مخزون الغذاء والدواء، وانقطاع الكهرباء والاتصالات في درجات حرارة تصل إلى 5 درجات مئوية تحت الصفر، ويتقاسمون هذه الظروف الصعبة مع ما يزيد على 80 ألف مدني، نصفهم من النازحين إلى وادي بردى من مناطق ريف دمشق ومحافظتي حمص ودير الزور. إذ كانت هذه المنطقة تتمتع، حتى أيام مضت، بنوع من الهدوء والاستقرار النسبي الناتج عن هدنة مع النظام استمرت لسنوات، ضمن النظام خلالها تدفق مياه الشرب لمدينة دمشق من عين الفيجة ونهر بردى اللذين يغطيان 50 % من حاجة العاصمة.
ويدرك أهالي وادي بردى أيضا أنهم يمثلون خط الدفاع الأول عن المناطق المحاصرة جنوب دمشق والغوطة الشرقية، وعن درعا أيضا التي سيحاول النظام تأجيل معركتها أشهرا أخرى لإبقائها مشكلة أردنية وورقة ضغط وتفاوض مستقبلية.
فحزب الله، وهو المليشيا الأكثر فاعلية في هذه المناطق، لن يستطيع الدخول في معارك تطهير جنوب دمشق وشرقها قبل تأمين خطوط إمداده ومناطق سيطرته المحاذية لوادي بردى، والذي كان يتبع لقضاء بعلبك اللبناني خلال فترة الحكم العثماني. يصف لي أحد النشطاء المقيمين بوادي بردى معنويات المحاصرين بالمرتفعة، وأنهم يدركون أهمية صمودهم رغم معاناتهم اليومية، وأنهم في معركة كسب وقت لإحراج النظام وايقاعه في ورطة بإظهار عجزه. ويتضح ذلك من القصف اليومي والمتصاعد بشكل خطي؛ إذ وصل مؤخرا إلى 50-60 غارة جوية، و300-400 قذيفة مدفعية ودبابة، و60-70 صاروخ "فيل"، إضافة إلى آلاف الطلقات الرشاشة من عيار 23-14.5مم، مع خمس أو ست محاولات للتقدم بشكل يومي.
بطرق عدة يسعى النظام السوري ومليشيات حزب الله إلى تفجير الهدنة، وإفشال الجهود السياسية، خاصة بعد مزيد من التقارب الروسي التركي؛ بقصف وادي بردى بحجة وجود فصائل مقاتلة تابعة لـ"جبهة فتح الشام" ("جبهة النصرة" سابقا) في المنطقة، وهو ما يعني عمليا استثناءها من شروط الهدنة، الأمر الذي نفاه لي العديد من المقيمين في وادي بردى، مؤكدين أن لا خلفية إسلامية لفصائل الجيش الحر المتواجدة في مناطقهم، وأن النظام يستعين بهذه الحجة لتبرير قصفه الجنوني للوادي ومحاولاته اليومية للتقدم بريا من عدة محاور، أهمها محور "بسيمة ووادي مكة وعين الفيجة والحسينية"، وأن كل هذه المحاولات تبوء بالفشل بفضل صواريخ "كورنيت" و"كونكورس"، إضافة لصعوبة تضاريس المنطقة، فلا تلبث القوات المهاجمة أن تتراجع مخلفة وراءها دبابة مدمرة أو آلية ثقيلة معطلة، وعددا من الخسائر بين قتيل وجريح.
كما يؤكد عدد من نشطاء وادي بردى أن أول برميل مجنح أسقط على الوادي قبل أسبوعين، استهدف منشأة ضخ مياه عين الفيجة المقامة على النبع المغذي للعاصمة دمشق، ما أدى إلى أضرار كبيرة في المنشأة وتوقف المضخات عن العمل، وفتح البوابات القوسية وتحول مياه النبع لتصب في وادي بردى مباشرة. وقد قاموا بتوثيق الهجوم وتصوير شظايا البراميل التي سقطت على المنشأة، ما يدحض رواية النظام التي تتهم المسلحين بتفخيخ المنشأة والبوابات وتفجيرها لتعطيش العاصمة وإغراقها في أزمة مياه غير مسبوقة. وقد روى عدد من أهالي دمشق ملاحظتهم الارتفاع المفاجئ لمنسوب نهر بردى في وقت مبكر من هذا العام، قبل بدء ذوبان الثلوج بعدة أشهر.
كما أكد لي صديق دراسة سابق، هو خبير مياه مقيم في دمشق وعمل مستشارا مع الشركة الألمانية المشرفة على مشروع إعادة هيكلة المؤسسة العامة لمياه الشرب قبل الثورة، أن العاصمة دمشق قادرة على تلبية احتياجاتها من مياه الشرب من آبار ومصادر متعددة داخل دمشق وجنوبها وشرقها، وأن الشبكة داخل المدينة مصممة للتعامل مع هذه المصادر البديلة وتستطيع الاستغناء عن مياه عين الفيجة.
موضحا أن لا علاقة لمياه عين الفيجة بمشكلة أزمة المياه المفتعلة في مدينة دمشق، وأن النظام يهدف من هذه الأزمة الى تحقيق هدفين رئيسين: أولهما، تنفيذ أوامر إيرانية بتهجير ما لا يقل عن 3 ملايين دمشقي من مدينة دمشق وضواحيها الفقيرة، بالإضافة –ثانياً- إلى تحقيق مكاسب مالية هائلة لمافيات النظام ومؤسسات التدخل الإيجابي، من بيع المياه للمواطنين المقتدرين بأسعار خيالية من خلال هذه الأزمة المفتعلة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017