من يخشى دونالد ترامب؟

عيسى الشعيبي

لا شك أن دولاً وشعوباً وكيانات، توجست خشية على مصالحها وآمالها، غداة الفوز غير المتوقع، إن لم يكن الصاعق، للمرشح الجمهوري دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية قبل أكثر من شهرين، نظراً لما حفل به خطاب الملياردير القادم من عالم العقارات والصفقات، بلا خلفية سياسية أو عسكرية، من نفسٍ معادٍ لحركة الحقوق المدنية وللقيم الأميركية ذاتها، قبل أن يكون نافخاً في كير العنصرية والانعزالية والتهديدات الاستفزازية.
غير أنه بعد مرور قليل من الوقت، بدا الرئيس الخامس والأربعون لأهم دولة في العالم، أشبه بتمثال من الثلج، راح يذوب رويداً رويداً تحت أشعة الشمس الساطعة، حيث تضاءل حجمه، وخف وزنه، وتبدد الجزء الأكبر من هيبته؛ عندما بدا فاقداً السيطرة على لسانه، وأظهر ميلاً جارفاً نحو الغرور والسخافة، فاستعدى بذلك غالبية الأميركيين ضده، الأمر الذي بدا جلياً يوم دخوله إلى البيت الأبيض، وسط مقاطعات نيابية وتظاهرات شعبية، بلغ عددها 600 تظاهرة، خرجت له في نحو 100 دولة على جانبيّ "الأطلسي".
وأحسب أن هذا المشهد الذي لا سابق له في تاريخ الرئاسات الأميركية، قد قلب السحر على الساحر؛ إذ بدا الرجل المعجب بنفسه، مطعوناً بشرعيته الشعبية، ومحل اتهام بأنه صناعة روسية، وموضع تحقيقات أخلاقية، وفوق ذلك بدا رئيساً محرِجاً لحزبه، وقومياً متعصباً لأميركا البيضاء، أو أقله ليس رجل دولة، ولا يليق بزعامة العالم الذي أخذ يتنفس الصعداء، ويعيد قراءة الموقف الذي لا يستطيع فيه رجل واحد تغيير السياسات الداخلية والخارجية بجرة قلم، وقلب الموازين الدولية.
 فقد اتضح لكل ذي عين بصيرة أن ترامب، الانفعالي المزاجي الديماغوجي الشعبوي المتعجل، وعديم الحساسية أيضاً، وبال على نفسه، وعدو لها في المقام الأول، كونه قليل الكفاءة والكياسة، لا يدري أن كل ما يمكن قوله لا يمكن فعله، وأن ما سيراه من المكتب البيضاوي في واشنطن، لم يكن يراه من على سطح برجه الشاهق في نيويورك، وحدث ولا حرج عن عشوائية وعود لا طاقة له على تطبيقها، ولا قدرة على تمريرها، وعن ارتطامه بالدولة العميقة، وعن افتقاره للرؤية الاستراتيجية السديدة، ناهيك عن اعتقاده أن الأميركيات لم يلدن واحداً في سويته، وأن التاريخ بدأ فقط من يوم فوزه بالانتخابات الرئاسية.
فبعد أن كان العالم يحبس أنفاسه متحسباً، ويعض على نواجذه متبرماً، ويضرب أخماساً في أسداس حول كيفية تدبر أمره، مع من ظهر كجرم كبير حط من الفضاء البعيد على سطح هذا الكوكب، أخذ المخاطبون بهذا التحدي غير المسبوق، يعيدون تفكيك المشهد وتركيبه شيئاً فشيئاً، يفهمون هذه الظاهرة المثيرة للجدل على نحو أفضل مما كانوا عليه في بداية الأمر، ويستوعبون مدى ركاكة ذلك "المنيفستو" الشعبوي، الذي شق الأمة الكبيرة، واستفز بتناقضاته وضحالة لغته الطبقة السياسية و"الإنتلجسيا" الأميركية، فضلاً عن بعض المشرعين الذين توقع بعضهم ألا يستطيع ترامب الصمود لأربع سنوات مقبلة.
 وبقدر من المجازفة، يمكن القول إنه بعد أن كسر ترامب عصاه الغليظة قبل أن يبدأ أولى غزواته المبكرة، فإن عليه هو أن يتوجس من نفسه، قبل أن يخشى من آثارهم ضده، من النساء والأقليات واللاتينيين والسود، والمهاجرين والمسلمين، وهوليوود والإعلام، ومجتمع المخابرات والكونغرس، فضلاً عن أوروبا و"الناتو"، ومنظمة التجارة العالمية، وبابا الفاتيكان والأمم المتحدة، والصين والمكسيك وغيرهما من الدول التي قعقع لها بالشنان الرجل الذي بدا كزعيم مليشيا مع حقيبة نووية.
 وعليه، فلا أحد خارج الولايات المتحدة عليه أن يخشى من عنعنات ترامب ومن ارتجالاته المتوقعة؛ إذ لن يمر وقت طويل حتى تتمكن دولة المؤسسات، بما تملكه من آليات ذات مرونة لا تضاهى، وقيم ومبادئ ومثل لا تنضب، من تصحيح الخطأ الشائن، واستعادة أميركا الليبرالية التعددية المنفتحة. إذ لا مستقبل لرئيس يعادي الإعلام، ويكره مجتمع المخابرات، ويحابي أميركا البيضاء على حساب أميركا الملونة المليئة بالتنوع والحيوية والمضاء. وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، وما هكذا تورد الإبل يا دونالد ترامب.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017