جدوى التعويل على الرأي العام

عيسى الشعيبي

بعد عقود طويلة من تجاهل الحكومات عموماً في بلادنا العربية للرأي العام، إن لم نقل ازدراء هذه القوة الكامنة تحت قشرة رقيقة من الأحكام العرفية والممنوعات والقيود على حرية التعبير، أخذت الأنظمة السلطوية تعترف، على مضض، بوجود هذا المستجد الرئيس في الحياة العامة، وراحت تعمل على مداراته؛ تتماهى معه وتستجيب له بهذا القدر أو ذاك، بعد أن تمكنت القوى السياسية والاجتماعية من امتلاك أدوات التعبير والشجاعة، عما يجول في خواطرها.
وليس من شك في أن الشرط الأول لتكوين الرأي العام في أي بلد، يتمثل أساساً بوجود إعلام حر، يستطيع المواطن من خلال نوافذه المستقلة أن يرفع صوته من دون وجل، وأن يقول كلمته بجرأة، في كل ما يتعلق بالسياسات والمواقف والإجراءات المتعلقة بحاضر ومستقبل دافع الضرائب الذي بات رقماً صعباً في الحياة الداخلية منذ انفجار ثورة الاتصالات والمعرفة.
ومع أن للرأي العام في الديمقراطيات الغربية سلطة تعادل بقية السلطات، وترجح عليها في بعض الأحيان، إلا أن هذه السلطة التي تتجلى فعاليتها من خلال وسائل الإعلام المختلفة، ومنظومة الحريات والمؤسسات المستقرة، لم ترق في بلادنا بعد إلى ذلك المستوى الرفيع من الأهمية، ولم تنل الاعتراف الكامل بها، من جانب السلطات الحاكمة عموماً، التي تخشى من سطوة الرأي العام، لكنها تخشى بدرجة أكبر الحد من نفوذها وتعريضها للمساءلة.
وقد يكون ضعف الرأي العام لدى شعوب هذه المنطقة المستباحة تاريخياً نابعا من شعور متراكم بالتهميش والخذلان، واليأس من القدرة على التغيير، وعدم جدوى التعويل على إصلاح ما أفسده دهر الحكومات المستبدة، ناهيك عن حتمية خسارة النزال مع القوى الغاشمة بمثل هذه الوسيلة الناعمة، وحدث ولا حرج عن الجهل والفقر والقهر، وعن محدودية منابر التعبير عن الرأي، بما في ذلك حداثة منظمات المجتمع المدني، وضعف وسائل الإعلام التقليدية.
وأحسب أن الظلم والإجحاف والافئتات الذي تعرض له الإنسان في هذه المنطقة المسكونة بالقمع والفساد والتصحر السياسي المديد، قد نزع من قلبه الإيمان بالقدرة على تحدي كل هذه الأقدار المقدرة، وصنع حالة فارقة، من خلال الرهان على مفاعيل قوة الرأي العام في الداخل، أو كسب قضية ما في الخارج، كرفع مظلمة هنا، أو استرداد حق مصادر هناك، طالما أن قوة الرأي العام لا قبل لها بالمواجهة إذا ما كشّرت الحكومات عن أنيابها، وفعلت الدولة العميقة فعلها.
والحق أن الأمر لم يعد على هذا النحو البائس في السنوات القليلة الماضية؛ اولاً، بسبب ما عرف باسم "ثورة الربيع العربي" الموؤودة، التي نجحت في رفع سقف حرية التعبير رغم كل المآخذ عليها. وثانياً، بفعل تقنيات الاتصالات الحديثة، وما وفرته من منصات تفاعلية على الشبكة العنكبوتية، الأمر الذي خلق أدوات إعلام عصرية متاحة لعامة الناس، ناهيك عن ظهور المواطن الصحفي، إثر انتشار الهاتف المحمولة. وهي عوامل أدت في واقع الأمر إلى فقدان الدول رقابتها على الإعلام، وخروج الوضع عن نطاق التحكم والسيطرة.
وبقدر ما تبدو قدرة الرأي العام المحلي جلية، وذات تأثير متزايد، في إطار العلاقة بين الدولة والموطن، بقدر ما تبدو هذه القوة الصاعدة بالغة الأهمية، بل ويمكن التعويل عليها، في إطار الدفاع عن قضايا شعوب هذه المنطقة حيال الدول الخارجية التي تمتلك رأياً عاماً يحسب له الحساب، إذا ما أحسنّا عرض عدالة مواقفنا، واستطعنا الوصول إلى مفاتيح الرأي العام بكياسة، خاصة في الدول الغربية، تماماً على نحو ما قامت به حركة مقاطعة منتوجات المستوطنات الاسرائيلية (BDS).
وتكفي نظرة عاجلة إلى ما يدور في الولايات المتحدة الآن؛ من حركة احتجاجية واسعة النطاق، ومتعاظمة المدى، ضد أوامر دونالد ترامب التنفيذية، وما تشي به من نفس انعزالي، كي ندرك جدوى التعويل على الرأي العام، ونقف على مدى نجاعته في بلد لديه إعلام حر ومستقل، ولديه أيضاً حركة حقوق مدنية عريقة. الأمر الذي يجب أن يغري قوانا الاجتماعية والسياسية والإعلامية، بإيلاء مزيد من الاهتمام بالرأي العام، والرهان عليه، والاستثمار في ممكناته الواسعة، في عالم سقطت فيه الجدران بين الدول، سوى جدران ترامب وجدران بنيامين نتنياهو.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017