التذرع بـ"حماس" لتعطيل المنظمة

د.أحمد جميل عزم

أجرت السلطة الفلسطينية انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة العام 1996 من دون انتظار حركة "حماس" التي حرّمت تلك الانتخابات، ثم شاركت فيها العام 2006. وجرت الانتخابات البلدية قبل أربعة أعوام من دون "حماس"، ثم قررت الحركة المشاركة العام الماضي، قبل أن تتعطل الانتخابات. وربما تشارك في الانتخابات البلدية الفلسطينية المقبلة، وربما لا تشارك. والسؤال: لماذا ينتظر المجلس الوطني الفلسطيني إلى ما لانهاية إنهاء الانقسام بين "فتح" و"حماس"؟ وهل العقبة حقا هي الاتفاق مع "حماس"، أم أن الأخيرة تحولت إلى ذريعة؟
بحسب مصادر حركة "فتح"، سيجري الانتظار لانتهاء الانتخابات الداخلية في حركة "حماس" قرب نيسان (إبريل) المقبل، لتقرير الخطوات اللاحقة في توحيد النظام السياسي الفلسطيني. ومن المنطقي أن يتم الانتظار فعلا، وأن تستمر المحاولة، لكن هناك ثلاثة أسئلة: أولها، ماذا لو فشلت مجددا محاولات توحيد الفلسطينيين، وتحديداً وبدقة أكبر، لم تُجسّر الهوة بين "حماس" و"فتح"؟ وثانياً، هناك واقع جديد في قطاع غزة، وجيش شبه نظامي من نحو 30 ألف جندي، هو كتائب عزالدين القسّام، وعملية هضم التوحيد مع وجود هذا الجيش صعبة للغاية ومعقدة، فما العمل؟ وثالثا، هل يجري التذرع من قبل البعض بالاتفاق مع "حماس" لإعاقة التوصل لاتفاق يجدد منظمة التحرير الفلسطينية؟
بغض النظر عن مدى صحة قناعة حركة "فتح" بأن مؤتمر اسطنبول المزمع بعد أيام للفلسطينيين في الخارج، هو محاولة من حركة "حماس" لبلورة منظمة تحرير جديدة، فالأكيد أنّ الشعب الفلسطيني، في الشتات والداخل على السواء، لن ينتظر إلى الأبد عملية تجديد منظمة التحرير وأطرها الطلابية والشعبية والمهنية والسياسية والإعلامية، وستسعى مجموعات مختلفة إلى تنظيم نفسها تحت تسميات مختلفة، من دون أن يكون لدى الغالبية العظمى، على الأقل، خيالات أو طموحات بتكوين بديل عن منظمة التحرير، ولكن في الواقع ستنشأ أجسام قد تقوم بمهام يفترض أنها من مهام المنظمة وأطرها. ومثل هذا المؤتمر يمكن أن يتحول من هدف للهجوم من قبل المنظمة و"فتح"، إلى مبرر، وسبب، وذريعة، للاستعجال في تجديد منظمة التحرير بمجلسها الوطني ولجنتها التنفيذية.
فليكن الشعار أن: الشعب لا ينتظر، وها هو يعقد ويؤسس مؤتمراته بمعزل عن المنظمة، والمنظمة لن تنتظر.
هناك قناعة بأن شخصيات وفصائل تتذرع بالوحدة الوطنية وضرورة دخول "حماس" و"الجهاد الإسلامي" للمنظمة، وهي حقيقةً تستهدف (هذه الشخصيات) الحفاظ على مكانتها ومكتسباتها الحالية الشخصية والفصائلية، فصار الانقسام مبررا لعدم التجديد والإصلاح.
إذا لم يتم التوصل لإنهاء الانقسام، ولم يتم تمكين حكومة وحدة وطنية، أو حكومة ورئاسة منتخبتين جديدتين، من العمل في قطاع غزة، فهذا لا يعني أبداً تعطيل كل النظام السياسي الفلسطيني. هناك أجيال جديدة من الفلسطينيين، وهناك طاقات تبدأ بالطلبة، والأكاديميين، والناشطين الميدانيين، وحملات مقاطعة وسحب استثمار، وجمعيات حفظ تراث وهوية، ورجال أعمال، وسوى ذلك الكثير ممن يجدر تمثيلهم في منظمة التحرير، وتكوينهم أطر عمل وتمثيل للفلسطينيين في ساحات الشتات المختلفة، كجزء من المنظمة. وإذا حدث مثل هذا، سيصبح أي مؤتمر أو إطار يدّعي تمثيل الفلسطينيين إما غير شرعي أو مجرد مشروع فصائلي مشروع، إذا كان تحت مظلة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، المفتوح للجميع، بصفتهم الفردية قبل أي شيء.
من هنا، فرغم أن هناك توافقا بين الفصائل الفلسطينية على أن المجلس الوطني الجديد سيجري تشكيله بالانتخاب أو التوافق، ضمن قوائم نسبية تمثل لوائح انتخابية، من دون تمثيل و"كوتا" للمنظمات الشعبية والمهنية التي كان لها نصيب مهم في المجلس الوطني الحالي/ السابق، فإنّه يمكن لحين التوافق الوطني التام، الاستمرار في النظام القديم وإجراء تجديد أو انتخابات جديدة لاختيار ممثلي هذه الأطر في المجلس الوطني. وحتى الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة "فتح"، يمكن أن تجري انتخابات داخلية واسعة لانتخاب ممثليها في المجلس، وفق النظام القديم. وهذا سيجدد الدماء، ويدخل طاقات جديدة، من دون أن يلغي الجهود لتوافق فصائلي لتجديد المنظمة، ولكن أيضاً من دون ترك المستقبل وشرائح فلسطينية عُمرية واجتماعية وسياسية مختلفة مستبعدة من أطر التمثيل الفلسطيني، بذريعة انتهاء الانقسام.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017