الأردن ومرحلة اللايقين!

ماجد توبة

يقدّم مركز الدراسات الاستراتيجية في تقريره الأخير "أجندة الأردن 2017" توصيفا وتحليلا مهمين للتحديات المحلية والإقليمية والدولية التي يواجهها الأردن حاليا، محاولا تقديم مقاربات وتوصيات ضمن خطوط عامة للسياسات والخيارات المطلوبة من صانع القرار للتعاطي مع هذه التحديات، في ظل تشابكها مع التطورات التي يشهدها الإقليم والعالم.
ويختزل وصف مرحلة "اللايقين"، الذي اختاره المركز عنوانا لتقريره، المرحلة وتطوراتها، تحديدا على مستوى التطورات المتدحرجة في الإقليم والعالم، حيث تشهد الأزمات التي تلهب الإقليم وتلقي بظلالها القاسية على المملكة، تطورات واستدارات دراماتيكية، تتضافر مع التطورات على مستوى السياسة الدولية، خاصة مع صعود إدارة دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
ويعزز لايقينية المرحلة والمقبل من الأيام تغير معادلات سياسية عديدة، وتبدل تحالفات وبروز اصطفافات، باتت تنعكس بمؤشراتها الأولية على واقع الأزمتين السورية والعراقية والحرب ضد التنظيمات الإرهابية، ويتوقع لها أن تمتد بانعكاساتها أيضا على مروحة واسعة من أزمات الإقليم، فيما تبدو القضية الفلسطينية، أم القضايا وأخطرها، فلسطينيا وأردنيا وعربيا، على مفترق طرق خطر بما يلوح في أفقها مع صعود ترامب.
التقرير موسع وشامل لأغلب المجالات، واستند لتقييمات وآراء خبراء ومسؤولين في جلسات عصف ذهني عقدها المركز في الفترة الماضية. وتأتي أهميته أيضا من مستوى الشفافية والصراحة اللتين تناول بهما السياسات والمقاربات الأردنية، محليا وعلى مستوى السياسة الخارجية، وصولا إلى تقديم توصيات مهمة تتحرر كثيرا من الدبلوماسية التي تطبع عادة أحاديث وتقارير المسؤولين وبعض الدارسين والأكاديميين.
يصعب في هذه العجالة تلخيص ما قدمه التقرير في المحاور والمجالات المختلفة، وهو ما يستدعي من المهتم العودة لقراءته بتعمن وتفصيل. لكن أبرز ما خرج به التقرير من توصية على مستوى السياسة الخارجية هو الدعوة إلى "استدارة" أردنية هادئة وذكية في علاقات الأردن مع قوى ودول عديدة في الإقليم، وإعادة التموضع السياسي تجاه تطورات المنطقة وما تحمله من تحديات وتهديدات وتطورات. وهو يلفت إلى ما تشكله سياسات الرئيس ترامب تجاه الصراع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية من تحديات وخطورة، حيث يدعو الأردن إلى التوجه لتحشيد موقف عربي موحد قدر الإمكان لتحسين شروط العلاقة مع إدارة ترامب، خاصة فيما يتعلق بخطورة نقل السفارة الأميركية إلى القدس والتخلي عن حل الدولتين.
الجانب الأخطر الذي أشّر إليه بوضوح تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية، وتفاقم خطورة التحديات الإقليمية والدولية، هو المتعلق بالوضع الاقتصادي الداخلي، وانعكاساته الاجتماعية والسياسية والأمنية. وأعتقد أن خطورة هذا العامل هي في أن العامل الاقتصادي الصعب الذي يواجهه الاردن يحمل أخطارا كبيرة على المدى القصير، فيما قد تكون أخطار بعض التحديات الإقليمية والدولية متوقعة على المديين المتوسط والبعيد.
ويرتبط الوضع الاقتصادي الصعب وتحدياته القاسية بأزمة الثقة بين الدولة والمواطن، والتي أكد تقرير مركز الدراسات أنها تبدو في تنام وتجذّر، وهو ما يمكن أن يلمسه المراقب بوضوح كل يوم، الأمر الذي يرتّب على صانع القرار إعطاء هذين التحديين (الاقتصادي والثقة بمؤسسات الدولة) الأولوية الرئيسية اليوم.
ثمة توصيات عديدة ومهمة قدمها التقرير المذكور، على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية، وهي توصيات بحاجة لتوقف طويل أمامها من قبل صانع القرار ومؤسسات الدولة، لدراستها وهضمها وبلورتها في قرارات وسياسات واستدارات باتت ضرورية اليوم، كما لم تكن في أي مرحلة مضت.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017