الرجل التافه يتكلم في أمر العامة

الدكتور محمد المجالي

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن أيام ستأتي، وما سيجري فيها، وهي أخبار من دلائل نبوته، وذكر من ضمنها الانخداع بالمظاهر، والحكم على الناس بالمظاهر أيضا، وذكر الرويبضة فقال: "سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".
ربما الكلمة الرئيسة في حديث رسول الله هذا هي الخداع، خصوصا إن وصل الأمر إلى سياسة الناس وتدبير شؤونهم، فالأصل التنقيب عن سيرة أي شخص يتولى شأن العامة، فالولاية في الإسلام صغرت أم كبرت فهي مسؤولية، وهي تكليف وليست تشريفا، هي أمانة، ويوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. ومن هنا كان سلفنا عموما يهربون من المسؤولية، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرد على الذين اقترحوا عليه تولية ابنه عبدالله، وهو أهل للخلافة، علما ووعيا وإدارة، فرد عليهم أنْ يكفي من آل الخطاب واحدا في النار، ويعني نفسه رضي الله عنه.
حين تصبح المسؤولية تشريفا وبلا مضمون أخلاقي قيمي حينها تكون الطامة الكبرى على الناس، وتضيع كثير من الحقوق، ويختل بنيان المجتمع والوطن، ويستهزئ الناس بالحال عموما، فمن ليست له مبادئ تردعه، فلن يكون له هدف نبيل يسعى إليه، وسيغلب عليه المظهر على حساب الجوهر، وبعبارة أخرى هو تافه لا يملك ثقة بنفسه وليس له همّ عام يسعى لتحقيقه، فهو أحقر من أن ينظر أبعد من أنفه، لأنه صغير في ذاته، متشكك من أمره، وأنّى لهؤلاء أن يقودوا فكرا أو يحققوا مصالح لأمتهم ووطنهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الصنف عالة على المجتمع، ومعيق لحركته الإيجابية.
لماذا نسمح لأنفسنا في مجتمعاتنا أن يكون الخداع؟! أن يُصَدَّق الكاذب ويُكذَّب الصادق، ويُؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين؟! والسبب واضح أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه حين قال: وينطق فيها الرويبضة، وهو الرجل التافه يتحدث في أمر العامة، فمن مكّن لهذا الرويبضة؟ ومن أعطاه الحق في أن يتحدث وينظّر ويخطط لأمر العامة، وهو تافه لا يملك علما ولا خبرة ولا سيرة حسنة ترتقي به؟
حين ينتقص بعض الأشخاص من شأن الدين مثلا، وينسى هؤلاء أن دينهم بريء من كل ما يحاول أعداؤه إلصاقه به، ويسعى هؤلاء إلى القرارات التي من شأنها في النهاية أن تضعف شأن الدين في المجتمع، حينها نتساءل: أين عقول هؤلاء؟ وأين فهمهم وشهاداتهم وخبراتهم التي تغنّوا بها؟ أليسوا رويبضات حين عطّلوا عقولهم وساروا بلا هدى ولا مشورة ولا بعد نظر، ليهدموا صرح الوطن، علموا ذلك أم لم يعلموا؟ أما كان بإمكانهم أن يحاوروا ويراجعوا ويستشيروا، بدل أن تُملى عليهم أحكام وقرارات ليس لهم فيها إلا التنفيذ، ولو كانت ظالمة أو على الأقل خاطئة؟
أعجب من إنسان ذي خبرة إدارية، ولكنه يؤثر الموقع أن يبقى فيه على حساب الحقيقة، وهو بذلك قد خان الله ورسوله والأوطان، ورضي لنفسه أن يكون في الدون، ولا يُذكَر إلا في السياق السلبي، لأنه لم يثبت جدارة، ولم يكن صاحب مبدأ، بل تحركه الأهواء، وتضيع شخصيته بمجرد رغبة سيّد هنا وهناك، وربما يظن نفسه بعيدا عن ملاحظة الناس له، ولا يدري أن الناس أوعى منه بكثير، فهو لم يعتصم بالله ابتداء، ولم يرض ضميره ولا سعى في مصلحة الناس، وربما وسوست له نفسه بأنها المصلحة! ومثل هذه الأمور لا تقررها نفس أمّارة بالسوء، بل رأي أحرار ذوي إرادة وحسن إدارة، لا من أصحاب الأيدي المرتجفة، والألسن المترددة، وأصحاب الأهواء.
الدين ليس سببا للتطرّف في ذاته، لا الدين الإسلامي ولا غيره، والإسلام دين الله الذي أكمله وأتم به النعمة ورضيه لنا، ومشكلتنا في الجهل ابتداء، وإن لم يكن الجهل فهو سوء الفهم الذي أدى بالفرق الإسلامية قديما أن تظهر وتتعصب وتقسّم الأمة، وهي الأهواء التي تحرك الناس وتدعوهم إلى ليّ أعناق النصوص، وإلى أن يكون الدين تابعا، والقرآن تابعا، بدل أن يكونا متبوعين، فالقرآن إمامي وأمامي، وحينها سيقود صاحبه إلى الجنة، ولا يمكن أن يكون تابعا خلفي، فحينها سيسوقني إلى النار.
تغنّى مسؤولون وصرحوا بأن الدين سبب للتطرف والإرهاب، وإن أحسنا الظن فهم لا يقصدون الدين بشكل مباشر، بل فهم بعضنا للدين، ولكن الحقيقة أن قرارات قد صدرت لا يمكن إلا أن تؤدي إلى ضعف أثر الدين في النفوس، بل استهزاء الناس بالهيئات الدينية وبالدين، وبالتالي تحييد الدين عن الحياة، وهذا أمر مستحيل ابتداء، وهو الذي يوجد التطرف الذي نخشاه، والذي حذّر منه الدين نفسه.
ما الذي جعل الخائن يُؤمَّن، والأمين يخوَّن، والكاذب يصَدَّق، والصادق يكذَّب؟ إلا اختلال الموازين وضياع القيم وتيه البوصلة، ولا يمكن أن يكون الكاذب إلا معروفا، والمخادع والخائن أيضا، فلمَ يقدَّم هؤلاء ويتأخر أولئك؟ إلا أن فسادا عريضا يراد له أن يعم، ومصالح حقيقية يراد لها أن تزول، مما يرفع شأن الإنسان والأوطان، ويرتقي بالأمة كلها نحو القيم الحقيقية والتفوّق الحضاري وسعادة الإنسان.
للتطرف أسباب حقيقية ينبغي البحث عنها بحياد، وهو أنواع كثيرة يرجع بعضه إلى الدين حين يساء فهمه، وله مظاهر عملية ينبغي التحذير منها في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام، بل في تصرفات المسؤولين وقراراتهم، وينبغي أن تتكاتف الجهود لنضع النقاط على الحروف في شأن العلاج وتحصين المجتمع من هذه الظاهرة ومظاهرها النظرية والعملية، ولا يمكن أن تكون هذه في أجواء الاضطهاد والتشكيك بالدين ابتداء وقدرته على التأثير في الناس إيجابا، فهنا تكون الكارثة، وهنا نتوقع الكثير من ردات الأفعال السلبية، أو الجيوب الفكرية المنحرفة، وهي أخطر ما يهدد مجتمعاتنا.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017