من سيقود الأردن بعد عشرين عاما؟

د.باسم الطويسي

الطلبة الذين يجلسون على مقاعد الدراسة اليوم في الثانوية العامة، وأولئك الذين يتلقون علومهم في الجامعات هذه الأيام، هم الذين من المفترض أن يقودوا مستقبل الأردن بعد عشرين عاما. ليس في السياسة وحسب، بل في الأعمال وقطاعات الاقتصاد؛ في الطاقة والمياه في مستقبل الزراعة والتنمية وفي التكنولوجيا والمعلوماتية وفي العمارة والفنون وغيرها، وعلاوة على القصة الكبرى في إصلاح نظم التعليم، فثمة قصة موازية أخرى تُعنى بإحداث تحولات كبرى في الثقافة المجتمعية نحو الابتكاروالريادة، أي سؤال التغيير والاشتباك مع الحداثة في الحياة اليومية للأفراد.
ربما يقول قائل: قبل ذلك علينا ان نطرح سؤال من يقود الأردن اليوم؟ وهل تملك النخبة التي تقود الاقتصاد والسياسة والتعليم الخيال المعافى للانتقال بالأردن خلال العشرين عاما القادمة من "مجتمع الموظفين" إلى "مجتمع الرواد والابتكاريين"، فالاقتصاد العالمي اليوم بات اقتصاد الريادة والابتكار أكثر من أي شيء آخر، ويكفي أن نشير إلى أن الشركات الكبرى التي تقود الاقتصاد العالمي فقدت منذ خمسة عقود نحو 75 % من الأصول التقليدية لصالح البنية التكنولوجية الرقمية.
مايزال الإنفاق على البحث العلمي والابتكار أقل من نصف بالمائة من الناتج الوطني الأردني، وهو ثمن (1/8) معدل الإنفاق العالمي الذي يصل إلى نحو 4 %. الأسبوع الماضي أعلن أن إسرئيل تربعت على عرش الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار الذي وصل إلى نحو 12 %. مؤخرا أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن رؤية جديدة لتطوير أداء صندوق البحث العلمي وربطه بالابتكار والتحديث، وهو الأمر الذي يؤمل عليه الكثير.
حدثان خلال الشهر الماضي ارتبطا بحضور جلالة الملك ولهما علاقة بهذا الملف؛ الأول لقاء الملك بمجموعة رواد الاعمال من الشباب الذين بدأوا تدشين شركات ناشئة في مجال التكنلوجيا الرقمية، والحدث الثاني تدخل الملك ليذكر الحكومة بالتعثر الطويل في مشروع الحكومية الإلكترونية. الحدثان يشيران إلى حجم الفرص التي يخسرها الأردن؛ ففي مطلع العقد الماضي كان الأردن أول دول الإقليم التي سعت إلى تهيئة بيئة ملائمة لنشر مفهوم ريادة الأعمال، وتحديدا في مجالات التكنولوجيا، في الوقت الذي أطلق فيه مشروع الحكومة الإلكترونية. وعلى الرغم من أن السنوات الأولى من العقد الماضي شهدت إنجازات لافتة في ظهور عشرات الشركات المهمة وتحولات مدهشة في بيئة الأعمال الجديدة، إلا أن المنحى أخذ بالانحدار، وباتت الشركات بعضها يهاجر وأخرى تتعثر وتموت.
مجتمع رواد الأعمال والابتكاريين ليس مجرد شركات صغيرة يؤسسها شباب موهوبون برأسمال مغامر، تثار حولهم قصص تشبه الخيال، إنه مجتمع يشهد تحولا ثقافيا ومعرفيا مصحوبا بمؤسسات عامة وخاصة، تدشن بنية تحتية عميقة في مجال تكنولوجيا المعلوماتية، ورأس مال وطنيا يستثمر في الفرص الجديدة والحلول الجديدة، ولا نحتاج إلى أمثلة من كندا والنرويج والولايات المتحدة، فهناك أمثلة لمجتمعات تسارع الزمن في احتلال مكانة في العالم الجديد من الهند والصين في قلب آسيا، إلى كينيا ورواندا في أفريقيا.
في الهند، كان هناك قبل أكثر من عقد برنامج تلفزيوني شبابي يطرح السؤال ذاته: من سيقود مستقبل الهند؟ هدفه نشر ثقافة ريادة الأعمال الجديدة، وأصبح ذلك البرنامج، خلال أشهر، الأكثر متابعة وسط شباب أكبر أمة في العالم لديها ديمقراطية ناشئة. واليوم، العالم يتحدث عن أسباب موضوعية ستجعل من أولئك الشباب قادة كبارا يقودون الاقتصاد العالمي خلال أقل من عقدين، ويقودون اقتصاد بلادهم ليكون بين ثلاثة أكبر اقتصادات في العالم.
من سيقود الأردن بعد عشرين عاما؛ مجتمع الموظفين في الوزارات وفي الدوار الرابع أم مجتمع الشباب الرواد؟
هذا هو السؤال والتحدي.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018