رد من الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

المهندس حاتم البشتاوي*

أرجو التلطف بنشر هذا الرد من باب توضيح بعض الأمور التي وردت في مقال الأستاذ جميل النمري المنشور في جريدة الغد يوم 14/ 7 / 2017   والمتعلق بمحاضرة الدكتور زغلول النجار.
تضمن المقال المشار إليه إشارات تتضمن غمزاً ولمزاً في علماء الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وأقول إن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هو سمة القرن الحاضر وهو منهج الذين يبحثون عن حقيقة الحياة وغاية الإنسان في هذا الوجود وسنن الله في الأنفس والآفاق، ولا سيما في ظل الثورة العلمية في شتى حقول المعرفة. وأشار القرآن الكريم إلى كثير من هذه الحقائق العلمية والسنن الكونية في أكثر من 1300 آية، ولا يوظف في الإعجاز العلمي إلا ما أصبح حقيقة علمية اتفق عليها كل علماء الأرض وأشار إليها القرآن الكريم: مثل اتساع الكون، والزوجية في الإنسان والنبات والحيوان، ومنها تطور مراحل خلق الجنين، ومنها ارتفاع الضغط كلما ارتفعنا في الجو، ومنها الدورة الفلكية للشمس والقمر والنجوم وغيرها.
لقد تطورت مؤسسات الإعجاز العلمي التي تضم حاليا فريقا علميا كبيرا من المتخصصين في شتى المجالات العلمية والطبية والهندسية، إضافة إلى علماء البيان والفقه والحديث، وأصبحت الأبحاث تخضع لضوابط أقرها هؤلاء العلماء، ومواده تدرس في الجامعات كما يدرس الطب والهندسة، ويمنح الخريجون الشهادات العلمية حتى الدكتوراه. وقد تم عقد عشرات المؤتمرات الدولية في الإعجاز منذ أكثر من عشرين عاما يحضرها المئات من العلماء والباحثين في كثير من الدول. فلم يعد الإعجاز العلمي مقالات تنشر أو كلمات تقال بل أبحاث رصينة لها مرجعياتها المتخصصة، فليس كل من كتب قصيدة أصبح شاعرا، ولا كل من قرأ كتابا في الطب أصبح طبيبا. وقد يجتهد البعض في مسألة جزئية – بدون اعتماد مرجعي - ويخطئون فيقام لها ويقعد وكأن الإعجاز قد خرج من خرم هذه الإبرة.
الطامة الكبرى التي تتعرض لها ثقافتنا أن ينبري صحفيون كبار، لهم قاماتهم في مجال تخصصهم فيبنون تصوراتهم عن "الإعجاز القرآني" على مقالة من هنا  أو كلمة من هناك دون الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص، فلا يحق لمن قرأ مقالة عن الطب أو السرطان أن يتصدر المجالس مدافعا عنها ضاربا عرض الحائط كل الدراسات والأبحاث، ثم يأتي هؤلاء فيتهمون العلماء والمتخصصين لهذا الموضوع بإشاعة ثقافة التلفيق، وهي فرية ظالمة لا تليق بأهل العلم.
أصبح الأعجاز القرآني لغة العلم والعلماء بما أشار إليه من قضايا لم يكتشف العلماء إلا بعضا منها، وكان القرآن الكريم قد أشار إليها قبل أربعة عشر قرنا، وقد دخل بسبب ذلك ثلة مميزة من العلماء وقادة الفكر والزعماء الغربيين بعد اطلاعهم على بعض آياته ومنهم: عالم البحار الفرنسي "كوستو"، والعلامة المفكر الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي"، والسفير الالماني "مراد هوفمان"، والدكتور الموسيقي الأسباني "أنطونيو ديمو"،  والأميرة البريطانية "مواد"، والفنانة الإيطالية "مارشيلا مايكل أنجلو"، والسياسي الأميركي المعروف "روبرت كرين"، وعالم الأجنة الشهير "الدكتور كيث مور"، و رئيس وزراء السويد الأسبق "أولف بالمه"، والعالم الفرنسي "د. موريس بوكاي" القائل: "إن الغربي حين يشهد جانب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فإن هذا المشهد يصنع في نفسه ما صنعه القرآن في نفس العربي الذي عاصر بزوغ الإسلام".
أليس كل ذلك كافيا لنغير قناعاتنا التي بنيناها - بغير علم - عن الإعجاز العلمي والذي لم تعد دراسته ترفا فكريا بل ضرورة شرعية إذ إنها تزيد المؤمن إيمانا، وتفتح للعلماء أبوابا من المعرفة بمكتشفاتهم العلمية عن هذه السنن وبما ورد في كتاب الله عنها! فالعظمة في القرآن الكريم وفي الكون العريض سواء بسواء: الكتاب المقروء والكتاب المنظور!
ارجو من الاستاذ النمري أن يعلم أننا نؤمن إيمانا مطلقا بأن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحن لا ندعي أن كلامنا مثل القرآن، فكلامنا اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب، ولا يوظف في مجال الإعجاز العلمي إلا ما ثبتت حقيقته العلمية وخرج من دائرة الظن إلى دائرة اليقين. ونحن لا ندعي مسابقة أولي العلم واكتشافاتهم، فمن ادعى ذلك فليثبته.
ثم قولكم إن هذا النهج لتعويض قصورنا العام أمام الغير في ميادين العلم والحضارة بتعويض استرضائي بائس للذات، فليس هذا صحيحا، ألم يكن المسلمون الأوائل هم الذين حملوا العلم إلى أهل الأرض وأنشأوا الحضارة التي استمرت لأكثر من ألف عام؟  أليس في اجتهاد بعضنا تفكير وإعمال للعقل؟ وهل نحن من يتحمل أسباب التخلف والبؤس الذي ذكرت؟ وهل قولك وتهكمك أفضل وأحسن من كلامنا؟ إن عجزنا عن كشف ما في القرآن من الأمور العظيمة ومنها العلمية والإبداعية، واستعانتنا بما يكتشفه العلماء ليس ادعاء بالسبق وإنما هو وسيلة لنفهم مرامي بعض الآيات التي تعجز عقولنا القاصرة عن عقلها، ولنزداد يقينا بأن آيات الكتاب سبقت العقل الإنساني بأكثر من أربعة عشر قرنا. ونحن لا نلزم أحدا بآرائنا، وإذا كان اجتهادنا ضعيفا فغيرنا لا اجتهاد له، فهذه أمتنا تشكو القصور والتخلف في جميع الميادين.

* رئيس الجمعية

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017