الموصل بعد داعش: كأن الفناء مرّ من هنا!

الموصل(العراق)-ركام وخراب الموصل شاهد حقيقي على الكلفة الباهظة للحرب. فما هو حجم الدمار الذي خلفته المعارك بين القوات العراقية المدعومة بسلاح الجو الأميركي وتنظيم داعش؟
عم الدمار كامل الموصل بعد القتال الضاري الذي شهدته المدينة لتخليصها من سيطرة تنظيم داعش، قتال خلف آلاف القتلى وشرد من تبقى على قيد الحياة. والسؤال المطروح بقوة هو كم يبلغ حجم الدمار الذي خلفته المعارك بين القوات العراقية المدعومة بسلاح الجو الأميركي والتنظيم؟
ثم: ماذا بعد؟
بعد انتهاء المعارك التي استمرت في الموصل لأكثر من تسعة أشهر، يواجه سكانها الآن أزمة إنسانية كارثية. فأعداد الموتى تقدر بالآلاف، ويربو عدد من تركوا منازلهم هربا من المعارك التي بدأت في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي عن المليون شخص.
أحياء بأكملها اندثرت وسويت منازلها بالأرض، جثث الموتى ما زالت تحت الأنقاض، والشوارع مكسوة بالذخيرة غير المنفجرة، والألغام الأرضية،
والفخاخ.
دمار هائل حلّ بالمدينة القديمة
تحول معظم أجزاء الموصل، ثاني كبريات مدن العراق، والتي وقعت تحت قبضة تنظيم داعش إلى ركام، إذ تعد المعركة التي شهدتها المدينة الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
وأظهر آخر تقييمات الأمم المتحدة أن كل أجزاء الموصل قد لحق بها ضرر من نوع ما. لكن الجزء الغربي منها كان له حصة الأسد من الخراب كونه حرر من قبضة تنظيم داعش في تموز (يوليو) الماضي أي بعد ستة أشهر من تحرير القسم الشمالي من المدينة.
وتعرض أكثر من نصف الأحياء السكنية الـ54 في القسم الغربي للمدينة لدمار كبير، إذ وصفت الأمم المتحدة خمسة عشر حيا من تلك الأحياء بـ" شديدة التضرر" ما يعني أنها غير قابلة للسكن. ووصف 23 حيا آخر بـ"متوسطة التضرر" أي نصف المباني فيها دُمر، و16 حيا بـ"بسيطة الضرر".
ويعتقد أن حجم الدمار أكبر بكثير مما تظهره تحليلات صور الأقمار الصناعية للأمم المتحدة، التي تقدر حجم الأضرار بـ 10 آلاف مبنى تدمّر بشكل كامل. غير أنه بحسبان الدمار للأبنية التي لا يمكن للأقمار الصناعية كشفها، تقدر الأمم المتحدة الرقم الحقيقي للأبنية المدمرة بنحو 32 ألف مبنى.
وتقول ليز غراندي، منسقة الشؤون الإنسانية في العراق، إن هذه المناطق ستحتاج لسنوات طويلة لإعادتها لوضعها الطبيعي، فإعادة إعمار المدينة وإعادة المدنيين إلى بيوتهم سيكون "تحديا كبيرا". كما حذرت من أن الكلفة تقدر بمليار دولار أميركي.
في الأسابيع الأخيرة من المعركة تدمر أكثر من خمسة آلاف موقع. 98 في المائة من الدمار طال الأبنية السكنية خاصة في المدينة القديمة. تم تدمير المسجد النوري الكبير أيضا.
يظهر تحليل الأمم المتحدة الابتدائي للصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، أن المساكن تعرضت لضربات عنيفة، دمرت على الأقل 8500 بناء سكني معظمها في المدينة القديمة، لكن من المؤكد أن ترتفع هذه الأرقام بعد المسح والتقييم الميداني للأضرار.
وتضرر أيضاً قرابة 130 كيلومترا من الطرقات، مائة كيلومتر منها تقع في القسم الغربي من الموصل. وكانت طائرات التحالف قد دمرت كل الجسور فوق نهر دجلة، التي تصل شرق المدينة بغربها آملة حينها أن يحد ذلك من قدرة الإرهابيين على العبور لتعزيز مواقعهم وإمداداتهم في القسم الشرقي من الموصل. كما تم تدمير مطار المدينة ومحطة القطار فيها والمستشفيات.
وتشير تقديرات مسؤولين عراقيين إلى أن 80 في المائة من المراكز الطبية في المدينة تعرض للدمار الكامل. وكانت الموصل تعد أكبر مركز صحي وطبي في محافظة نينوى، إذ تضم عددا كبيرا من المستشفيات وكلية للطب والعديد من المختبرات.
أنواع الأبنية المدمرة
تعرضت البلدة القديمة بشكل خاص لضربات عنيفة في الأسابيع الأخيرة من المعركة لتحرير الموصل من تنظيم داعش.
وأُجبرت قوات التنظيم على التراجع إلى المنطقة المكتظة بعد أن قامت قوات موالية للحكومة العراقية بمحاصرتها.
ومع اشتداد حدة المعارك، أصبح معظم سكان المنطقة حبيسي منازلهم، وعندما تمكنوا من الخروج في النهاية كان الكثير منهم في حال سيئة ويعانون من سوء التغذية والجروح إضافة إلى المشاكل النفسية.
أميرة فتاة تبلغ عشرة أعوام من العمر، كانت من بين الناجين من المعركة، تعرضت لأذى في ساقيها بعد أن سقطت قذيفة هاون على منزلها وقتلت أمها.
تقول الفتاة: "أخذت أنادي أمي، وأصرخ طالبة نجدتها، لكنها لم تستجب.. لم أستطع التحرك".
خرج والد أميرة مصطحبا أخواتها وأخوها الأصغر سنا، لكن أميرة ظلت وحدها حيث سقطت لثلاثة أيام.
"لم يكن لدي طعام أو ماء، ظللت وحيدة لثلاثة أيام وثلاث ليال، كنت أصرخ طالبة العون من أي شخص، لكن لم يسمعني أحد. كنت أنادي ماما باستمرار، دون جواب، لم أكن أدري أنها ماتت إلى أن تم إنقاذي".
تتلقى أميرة حالياً العلاج اللازم، لكنها لا تعلم مصير أبيها وأشقائها. حالة أميرة وعائلتها ليست استثناءً، إذ تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن أكثر من 5500 منزل في المدينة القديمة قد تضررت بشكل بالغ وبعضها تدمر كلية. وتدمر نحو 490 منزلا في الأسابيع الأخيرة من المعارك.
دُمر معظم الأبنية في المدينة القديمة دمارا كليا
من بين المعالم الأثرية التي تدمرت في الموصل الجامع النوري الكبير، الذي أطلق منه قائد تنظيم داعش أبو بكر البغدادي دعوة لأتباعه بالولاء والبيعة لـ"دولة الخلافة".
على الرغم من الدمار الهائل الذي حل بمعالم المدينة، تبقى المأساة الكبرى من نصيب سكان الموصل، إذ أن حصيلة الموتى غير معروفة حتى الآن.
لكن آخر تقديرات الأمم المتحدة في كانون الثاني (يناير) يشير إلى 2463 قتيلا، غير أن منظمة العفو الدولية قالت حينها إن 5805 أشخاص قتلوا في الغارات الجوية وحدها.
وفي الوقت ذاته، ذكر تقرير استخباراتي كردي، وفق صحيفة " انديبندينت " البريطانية، أن أكثر من 40 ألف شخص لقوا حتفهم.
لكن عملية البحث عن الجثث مازالت مستمرة، ومازالت الحصيلة النهائية لأعداد القتلى منوطة بنتائج عملية البحث. بالإضافة الى ذلك، غادر المدينة نحو مليون شخص، أي نصف عدد السكان ما قبل الحرب، منذ بدء هجوم الموصل في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة.
وأكثر من نصف هؤلاء النازحين هم من الأطفال وحوالي 700 ألف منهم من القسم الغربي من الموصل، وهي المنطقة الأكثر تضررا جرّاء المعركة.
وقد كانت أكبر عملية نزوح في التاريخ الحديث.
بحلول مطلع آب (اغسطس)، ما زال أكثر من 800 ألف شخص يعدون مشردين وفقا للمنظمة الدولية للهجرة، أي أكثر من نصف أولئك الذين يقيمون في مخيمات أو في مواقع الطوارئ.
وقد عاد جزء من أهالي الموصل إلى المدينة، بعضهم يستأجرون في أماكن أخرى، أو يقيمون مع أصدقائهم أو أسرهم أو يعيشون في مبان تضررت من جراء الحرب.
ويعيش أكثر من 440 ألف شخص في مخيمات الموصل
وحذر جان كوبيس المبعوث الخاص لمجلس الأمن الدولي من أن غياب عملية مصالحة سياسية موثوق بها سيؤدي لموجة جديدة من العنف.
ولكي تتحول المكاسب العسكرية التي حققتها القوات العراقية إلى استقرار سياسي ومجتمعي يجب على الحكومة تحقيق العدالة وتوفير الأمن مما يؤدي إلى حدوث التنمية وفي سبيل هذه الغاية يجب على بغداد ان تبذل كل ما في وسعها لإعادة الناس إلى حياتهم الطبيعية.
ولا توجد إلا مؤشرات قليلة على ان أبناء المدينة بدأوا العمل سويا من أجل إعادة البناء وإعادة الحياة الطبيعية للموصل.
ويقوم برنامج الامم المتحدة الإنمائي بتعيين السكان المحليين للمساعدة في إزالة الحطام وإعادة البناء لبدء العمل في بعض المؤسسات والمدارس والمستشفيات بأسرع ما يمكن.
ويقول إبراهيم مصطفى أحد السكان الذين يساعدون في إزالة الحطام قرب حي الزهور "هنا في الموصل فقدنا كل شيء بيوتنا ومتاجرنا وممتلكاتنا وحياتنا بالكامل لكننا ما نزال نمتلك أرواحنا فسكان المدينة يعملون معا لإعادة بنائها".-(بي بي سي)

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017