مواطن غارق بالدين كحكومته

جمانة غنيمات

يعترف البنك المركزي أن نسبة مديونية الأفراد إلى دخلهم في العام 2016، تبلغ 69.3 %، أي أن 70 % من دخل الفرد يذهب للبنوك لسداد القروض.
يعني ذلك، أيضا، أن المواطن غارق بالدين تماما مثل حكومته، فمديونية الفرد كذلك بلغت حدودا خطيرة وحساسة، لأنها تستأثر بثلثي دخله تقريبا، ما يعني أن الثلث المتبقي من الدخل يوجَّه للأكل والشرب والتنقل، والكلف الأخرى من الاتصالات والطبابة وغيرها من الحاجات الأساسية.
وضع المواطن ليس أفضل حالا من حكومته، فمديونية الأخيرة أيضا مرتفعة جدا، وبلغت نسبة 93 % من الناتج المحلي الإجمالي بأقساط وفوائد مرتفعة جدا، تستنزف جزءا كبيرا من النفقات، إذ تسدد الخزينة مبلغ مليار دينار سنويا لفوائد الدين، فيما يذهب 86 % من نفقات الحكومة لإنفاق جارٍ لا يمكن تخفيضه بسهولة.
في ظل نسبة مديونية الأفراد السابقة يمكن لنا أن نقرأ الكثير؛ أولا: أن معدل المداخيل لم يعد يكفي لسداد احتياجات الناس، لذلك تجدهم يتجهون للبنوك من أجل تغطية الفجوة.
المعنى الثاني: أن مديونيات الأفراد، أيضا، وصلت حدودا مرتفعةً جدا، بحيث لا يمكّنهم عبء الدين مقارنة بالدخل من اقتراض المزيد، وأن الضغط على الدخل لا يمكّن الأسرة من سداد التزاماتها، أو بالكاد تستطيع.
ماذا تعني هذه النسبة المرتفعة، ومتى بلغناها؟
النسبة تعني أن الضغط على ميزانية الأسر كبير وأن قروض الأسر تستنزف النسبة الأكبر من المداخيل المتحققة، وهذه في الأغلب قروض استهلاكية باتت ترتفع مع تحوّل النمط الاستهلاكي للأسرة، أو تسهيلات سكنية، إذ تلجأ عديد أسر أردنية للبنوك لتوفير اللازم لاقتناء المسكن.
أما متى قفزت هذه النسبة لهذه الحدود، فهي على الأغلب تزامنت مع سنوات طويلة فشل فيها كل النمو الاقتصادي الإيجابي والنشاط الاقتصادي بزيادة مداخيل الأسر نتيجة غياب العدالة في توزيع المكتسبات، إذ ما نزال نذكر جميعنا الرقم الذي يتحدث عن أن مداخيل الأسر زادت بمقدار 3 دنانير خلال ثلاث سنوات، فيما ترافق ذلك مع معدلات تضخم ومسلكيات استهلاكية جديدة دخلت إلى سلة المستهلك الأردني، وأيضا حدث هذا خلال السنوات الأخيرة التي مر فيها الاقتصاد بتباطؤ النمو.
مَن المتضرر من هذه النسب؟
أولا الفرد نفسه، فهو، بحاضره ومستقبله مرهون للمصارف وأقساطها، الأمر الذي يضعه تحت ضغط كبير، ما يولّد شعورا بالضيق، وغياب التفاؤل، كما تتضرر البنوك أيضا التي تعتمد على تسهيلات الأفراد والقروض الشخصية، ويعني ذلك أن بابا واسعا للإقراض مرتفع الأرباح للمصارف بات يضيق شيئا فشيئا.
وفي تشخيص أسباب ارتفاع مديونيتي الحكومة والأفراد، نجد الحكومات المتلاحقة تتحمل الأسباب بشكل مباشر وغير مباشر، إذ أن إنفاقها التفاخري واتساع بند النفقات دون حساب خلال العقد الماضي أوصلنا لهذه النتيجة، كما ساقها لنا تأخر الإصلاح المالي الحقيقي بمعالجة التشوهات المالية مثل التهرب الضريبي، والتلاعب بتقدير الإيرادات الضريبية والجمركية وغيرها من الخطوات المطلوبة لزيادة الإيرادات من أبواب موصدة ما تزال الحكومات عاجزة عن الاقتراب منها.
القصد؛ كلنا في الهم شرق، مواطنون وحكومات، وجميعنا غارقون في الدين، والخروج من هذه المشكلة يحتاج صبرا بالدرجة الأولى، وثانيا تعديلا على النمط الإنفاقي الذي لا ينسجم أبدا مع واقع الحال للطرفين، وأهم من ذلك إعادة النظر باستراتيجية إدارة القروض وعدم التوسع بالاقتراض لغايات لا تجلب النمو والاستقرار المالي.
بصراحة؛ نحن نشبه حكومتنا وغير قادرين على إدارة شؤوننا المالية بحكمة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018