المهمة الممكنة!

محمد أبو رمان

نقاش على درجة كبيرة من الأهمية شهدته ندوة "أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي"، التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وتحدث فيها د. ساري حنفي، من الجامعة الأميركية في بيروت، وأحد أبرز الباحثين في علم الاجتماع في العالم العربي اليوم، ود. موسى شتيوي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، وهو من السيسيولوجيين الأردنيين المعروفين.
الندوة حضرها أساتذة من الجامعات الأردنية، بخاصة الأردنية، في تخصصات علم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسية، وكان هنالك إجماع بين الخبراء والمتخصصين جميعاً بأنّ البحث الاجتماعي في العالم العربي يعاني أزمة بنيوية كبيرة، وأنّ هنالك فجوة بين هؤلاء الباحثين والواقع، ما أثّر على كفاءة البحث الاجتماعي في التأثير على السياسات العامة، وقبل ذلك على الرأي العام، والأهم على الإنتاج المعرفي نفسه وقدرته على تفسير الواقع وتحليله، والتنبؤ بالمتغيرات المطلوبة.
أهم ما في الندوة، أردنياً، كان الاعتراف، بل حديث الشجن بين الأساتذة والباحثين الحاضرين عن حالة البحث في العلوم الاجتماعية في الأردن، وعن القصور الكبير في هذا المجال، حتى مقارنةً بفترات سابقة كان الوضع فيها أفضل. أمّا اليوم فهنالك تخلف كبير في مجال البحث في العلوم الاجتماعية، وفجوة كبيرة بين الباحثين والواقع، وعدم فعالية واضحة، بالرغم من ازدياد حجم الجامعات وتضاعف عدد طلبة الكليات الإنسانية والاجتماعية، في مرحلة الدراسات العليا، الذين يفترض أن يقوموا هم الآخرون بدور فعّال في البحث والتحليل.
 في المحصلة هنالك أكوام مكدّسة من رسائل جامعية ومن أبحاث ترقية على رفوف مكتبات الجامعات الحكومية والخاصة، وعشرات الأساتذة المتخصصين في هذه العلوم، بلا أي نتيجة أو تأثير حقيقي، ولا مردود علمي إضافي ونوعي ولا حتى عملي يمكن أن يحدث فرقاً في المشهد العام!
هل المشكلة في البحث العلمي في العلوم الاجتماعية أردنياً (لأنّ البحوث العلمية في مجالات الطب والهندسة والعلوم أفضل حالاً، وفق المسوحات والدراسات) أم هي في الحكومات وصنّاع القرار الذين لا يقيمون وزناً للبحث الاجتماعي والسياسي، أم في الثقافة الاجتماعية والبيئة غير المهيأة للإبداع في البحث العلمي والإنجاز فيه أم في تسليع التعليم أم إضعاف استقلالية الجامعات أم محدودية الموارد المالية المتاحة؟!
هذه هي الأسئلة التي حظيت بنقاش كبير بين الباحثين في "الندوة الفريدة"، لكن التعليق الطريف كان من د. ساري حنفي في ضرورة ألا يكون هذا الواقع أشبه بـ"حائط المبكى" لدى الباحثين والمختصين، وضرورة أن نتحرّك للعمل والتغيير، وعدم الاستسلام، وهنا أشار شتيوي وآخرون إلى مصطلح "الباحث العضوي" (على غرار المثقف العضوي)، من يصرّ على إيجاد موطئ قدم للبحث الاجتماعي ودراسة الواقع وتحليله، وعلى فرض وجوده ومعه ماكينة البحث العلمي على القوى السياسية والاجتماعية على السواء، وهو البحث الذي يمتلك العقلية النقدية، لا التبريرية، في بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية.
من هذا المنطلق طرح المشاركون فكرة على درجة كبيرة من الأهمية، من وجهة نظري، بدأنا نفكّر في مركز الدراسات الاستراتيجية في ترجمتها على أرض الواقع، وتتمثّل في تأسيس جمعية للعلوم الاجتماعية، تتشكل من نخبة من الأساتذة والباحثين المتميزين، وتساهم في تطوير هذا المجال المهم والحيوي، لأي مجتمع أو أمة أو دولة متحضرة اليوم.
أغلب الجمعيات الموجودة شكلية، أو اسمية، ما نريده أن تكون هذه الجمعية أقرب إلى الجماعة العلمية المرجعية، التي تساهم في تأطير سياسات البحث العلمي وأولوياته وتحدياته ووصف حالته، وهل هي مهمة ممكنة وضرورية تأخر ميلادها كثيراً.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018