‘‘النظيف‘‘: جبل ملوث بالفقر وسكانه يعيشون بين أدراج خطرة ونفايات

شروق طومار

عمان - ببقايا كرامةٍ كسرها الفقر والعجز، أشاح السبعيني عبد العزيز كريكر وجهه محاولا إخفاء دموعه، مسنداً ظهره إلى جدارٍ نخرته الرطوبة والتصقت به هموم وأوجاع أفراد عائلته الستة، الذين يحاصرهم الفقر والمرض والإهمال، ويلقي بهم في قبو معتم في أحد أزقة جبل النظيف شرقيَ عمان.
كريكر وزوجته، وابنان عشرينيان يعانيان من تخلفٍ عقلي يقف حائلاً دون حصولهما على أي فرصة عمل، وابنتان أربعينيتان إحداهما مصابة بمرض السرطان والأخرى تعاني من مرض نفسي، يتنفسون ويأكلون، ينامون ويتألمون في غرفةٍ واحدة لا تدخلها الشمس ولا يمر عبرها الهواء.
يقول كريكر لـ"الغد": "أقعدني المرض، وباتت تتراكم علينا باستمرار أجرة الغرفة (40 دينارا شهريا)، فالمعونات التي نحصل عليها (30 دينارا شهريا) من لجنة الزكاة ومثلها من جمعية المركز الإسلامي، لا تكفي لإطعام ستة أفراد، وأنتظر منذ أشهرٍ أن يحين دوري الموعود في زيارة كشفٍ ميداني من الفريق المختص في صندوق المعونة الوطنية".
هذه الصورة القاتمة، وإن اختلفت بعض تفاصيلها، تتكرر في معظم بيوت جبل النظيف في عمان.
وتزداد الصورة قتامةً كلما أوغل السائر بين الوحدات السكنية المتراكبة بعشوائيةٍ، والمربوطة بطُرقات غارقة في التلوث ومعتمدة على الأدراج بدلاً من الشوارع، الأمر الذي يشكل خطورة على كبار السن والأطفال، ويعزل البيوت عن العالم الخارجي، ويحول دون وصول آليات النظافة ومركبات الدفاع المدني إليها عند الحاجة.
ويضم جبل النظيف مخيم "محمد أمين" غير المعترف به رسمياً من قبل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، ويسكن الجبل حوالي 50 ألف نسمة، يعاني غالبيتهم من فقرٍ مدقعٍ، وشح في مختلف الخدمات وخاصة الصحية والتعليمية والبيئية والبنيوية، معتمدين على المعونات الهزيلة المقدمة من صندوق المعونة الوطنية ولجان الزكاة، وعدد من الجمعيات الخيرية التي تقتصر خدماتها في الغالب على المساعدات المالية المحدودة دون وجود برامج تنموية أو تأهيلية شمولية من شأنها النهوض بالواقع المتردي للمجتمع المحلي.
مسؤول الرعاية الاجتماعية في جمعية المركز الإسلامي/ جبل النظيف هاني المحاريق قال لـ"الغد": "يقدم المركز معونات نقدية وعينية لـ260 أسرة في الجبل، منها 50 أسرة غزية، بمعدل 6 أفراد للأسرة الواحدة، ويعاني معظمها بشكل رئيسي من عجز المعيل أو البطالة، فيما تتراوح المعونات الشهرية بين (50-10 دينارا) شهريا للأسرة"، مؤكداً أن "شح التبرعات هو السبب الرئيسي في تدني مبالغ تلك المعونات".
بدوره، أقر النائب عن المنطقة د.موسى الوحش بالمشاكل التي تعاني منها المنطقة والناجمة عن "التهميش" كما قال، مشيراً إلى "تدني المخصصات المرصودة للمشاريع التنموية في منطقة رأس العين في الموازنة العامة للعام 2018، والتي تم وضعها وإقرارها قبل تشكيل مجالس المحافظات المتمخضة عن الانتخابات اللامركزية".
وأضاف الوحش: "نأمل أن تتمكن مجالس المحافظات التي تخوض تجربتها الأولى في العام المقبل، من المشاركة في عملية إعداد الموازنة وفق احتياجات المحافظات من المشاريع التنموية والخدمية". 
شح الخدمات يحرم الأطفال من أبسط حقوقهم
بعلب مواد تموينية فارغة وبقايا دُرجٍ خشبي متهالك، يلهو خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين و9 أعوام، بجوار منهل تتجمع حوله الحشرات، أمام باب منزلهم المكون من غرفتين خاويتين إلا من بعض فرشاتٍ وقطع أثاث هزيلة.
ولا متنفس لهؤلاء الأطفال وأقرانهم سوى الخروج إلى أزقة ضاربة في الضيق والتلوث، تملؤها نفايات متراكمة ومناهل مكشوفة تهدد المارّة وتتدفق منها مياه صرف صحي تتسرب من تحت الأبواب إلى داخل البيوت في فصل الصيف، وتجتاحها مختلطة بمياه الأمطار في فصل الشتاء.
وعلى الرغم من قدم جبل النظيف وكثافة سكانه العالية، إلا أنه يفتقر إلى الحدائق والمرافق الترفيهية العامة باستثناء حديقة واحدة مجردة من الألعاب والمساحات الخضراء، ويزاحمهم بالانتفاع بها سكان جبل المريخ المجاور لهم.
وفي هذا الصدد، يقول مدير المركز الإعلامي في أمانة عمان الكبرى مازن الفراجين لـ"لغد": "تقوم كوادر مديرية منطقة رأس العين التابعة للأمانة بجمع النفايات في حي جبل النظيف حسب البرنامج اليومي لآليات النظافة، من خلال مسارات محددة، والتي تواجه صعوبة في العمل نظرا للطبيعة الجغرافية للمنطقة والبناء العشوائي، والاعتداء على الطرق ومداخلها من قبل السكان".
وبين أن "تكدس النفايات أمام الحاويات وبعض المنازل ناتج عن عدم إخراج النفايات من قبل القاطنين في الحي في أوقات تتناسب مع مرور الآليات وعمال الوطن".
وفيما يخص نقص الحدائق والمساحات العامة، قال فراجين: "هناك عدة حدائق في منطقة رأس العين وهي تلبي الحاجة في ظل القرب الجغرافي من الجبل".
أبنية متهالكة ومدارس
تتحدث الأربعينية "ريم زكي" لـ"الغد" بحسرة عن ابنيها (18 و16 عاما)، اللذين لم يكملا دراستهما المدرسية فتقول: "درس أبنائي في مدرسة ذكور النظيف الابتدائية التابعة لـ(أنروا) والتي تنتهي الدراسة فيها عند الصف السادس الأساسي، حيث يضطر الطلبة بعد ذلك إلى إكمال دراستهم في مدرسة الوكالة في منطقة الأشرفية".
وتضيف: "بسبب بعد المسافة وعدم قدرتنا على تحمل تكاليف المواصلات، اضطررت لإخراج أبنائي من المدرسة بعد إنهائهم الصف السابع، وستتكرر هذه المعاناة مع ابني الذي يدرس حاليا في الصف الخامس".
وتضيف: "فقد ابني الأكبر مقعداً في معهد ماركا للتدريب المهني لعدم استطاعتنا توفير أجرة المواصلات اليومية".
وأضافت: "زوجي رجل مسن ومصاب بعجزٍ دائم نسبته 80 %، والمعونات التي نحصل عليها لا تكفي لتغطية أجرة المنزل (100 دينار)، وسد الحاجات الأساسية لثمانية أفراد، حيث يسكن معنا شقيق زوجي المصاب بمرض الصرع، وبعد طلاق ابنتي سكنت هي الأخرى وابنتها معنا، ولم تحصل على نفقة للصغيرة بسبب مرض طليقها".
وفيما يؤدي عدم وجود مدرسة وكالة ثانوية للذكور في جبل النظيف إلى فقدان عدد من الطلبة الفرصة في متابعة دراستهم وتسربهم من المدارس، فإن طلبة المدارس الحكومية ليسوا أفضل حالاً.
فبعد أن ينهي الطلبة دراستهم في المدارس الحكومية الموجودة في الجبل للصفوف الدنيا ذكوراً وإناثاً، ينتقلون لمتابعة دراستهم في مدارس جبل المريخ التي تبعد مسافة كيلو متر تقريباً يقطعونها سيراً تحت قسوة الظروف الجوية، وتهديد المخاطر التي تحف الطريق.
وبعد إكمال الدراسة الإلزامية لمن استطاع إليها سبيلاً، يجد الطلبة أنفسهم أمام طريق شبه مسدود، حيث لا يوجد في المنطقة مدرسة ذكور ثانوية، بينما توجد مدرسة إناث ثانوية واحدة لا تضم كافة التخصصات فضلاً عن أن طاقتها الاستيعابية لا تكفي في كثير من الأحيان لاستيعاب جميع طالبات المنطقة.
والواقع أن بُعد المدارس الحكومية ليس التحدي الوحيد الذي يواجهه الطلبة في جبل النظيف، بل يضاف إليه نقص المعلمين واكتظاظ الصفوف، وتدني مستوى تحصيل الطلبة، إضافة إلى مباني المدارس المتهالكة والمتصدعة، والنفايات التي تملأ ممراتها وساحاتها، ما جعل منها مرافق غير صالحة مطلقا للعملية التعليمية بحسب طلبة وذويهم من سكان المنطقة.
ووسط هذه التحديات التي أدت الى ارتفاع عدد الطلبة المتسربين من المدارس، تعمل مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني في الجبل على تذليل بعض الصعوبات التي تواجه الطلبة وذويهم، لإعادة الطلبة المتسربين إلى البيئة المدرسية.
مدير جمعية المركز الاسلامي في جبل النظيف ومنسق مشروع "مكاني" محمد الغوانمة يقول لـ"الغد": "تم التعامل مع 260 حالة من الطلبة المتسربين من المدارس، وإعادتهم الى البيئة المدرسية خلال عامي 2015-2016".
وأوضح الغوانمة أن "تسرب أولئك الطلبة يعود لأسباب عدة، منها أسباب قانونية تبرز لدى الطلبة السوريين بشكل خاص، ومنها ما يعود إلى بُعد المدارس وعدم قدرة أولياء الأمور على تحمل تكاليف المواصلات، ومنها ما يعود الى ثقافة المجتمع".
بدوره، يوضح مدير مركز جبل النظيف المجتمعي في مؤسسة رواد التنمية طارق الفقيه لـ"الغد": "تعاملت المؤسسة خلال العام الماضي مع 150 حالة من الطلبة المتسربين من المدارس وتمت إعادتهم إلى البيئة المدرسية من خلال برامج التوعية، وتوفير المواصلات لنقل الطلبة إلى المدارس البعيدة عن سكنهم".
وأضاف: "هناك عدد من الحالات التي نتمكن من إيجاد حلول لمشاكلها، وأبرزها طلبة مدارس الوكالة".
ووفق بيانات قام النائب الوحش بتزويد "الغد" بها، فإن المخصصات المرصودة لتطوير مدارس الجبل في موازنة العام 2018 تبلغ 20 ألف دينار، لصيانة مدرستي جبل النظيف الأساسية المختلطة، ومعاذ بن جبل الأساسية للبنين.
وحاولت "الغد" استطلاع رأي مديرية تربية قصبة عمان حول الوضع المدريسي بجبل النظيف، لكن لم يتسن لها ذلك.
قيود "الغزيين"
كرسيان متحركان وعيون غير متزنة، وتقريران طبيان يفيدان بإصابتهما بالشلل الدماغي، وبطاقتا إقامة مؤقتة، هي كل ما يملكه العشرينيان محمد وتهاني، أبناء الغزيَ الستيني حلمي الطرباق، الذي يعاني عجزاً دائماً بنسبة 75 % نتيجة إصابته بمرض السرطان.
المرض أفقد الطرباق قدرته على العمل، بينما حرمه عدم امتلاكه لرقم وطني من الحصول على معونات من وزارة التنمية الاجتماعية، وحمّله رسوماً وتكاليف إضافية للمعاملات المختلفة، مثل رسوم إصدار جوازات السفر المؤقتة له ولزوجته وأبنائه، ورسوم إصدار التقارير الطبية وغيرها.
وتحصل عائلة الطرباق (4 أفراد) من لجنة زكاة النظيف وجمعية المركز الإسلامي على معونات لا تتجاوز 60 دينارا شهرياً، بعد أن قطع عنهم صندوق الزكاة التابع لوزارة الأوقاف المعونة الشهرية البالغة 50 دينارا منذ ستة أشهر تقريبا.
يقول الطرباق لـ"الغد": "راجعت صندوق الزكاة في نيسان (إبريل) الماضي لتجديد المعونة، وقدمت التقارير الطبية التي كلفني إصدار الواحد منها (15 ديناراً)، فطلبوا مني ولأول مرة شهادة (خلو موانع) لابنتي المعاقة، وهي شهادة تثبت عدم الزواج تُطلب من غير الأردنيين فقط، وزودت الصندوق منذ بداية أيار(مايو) بكافة الوثائق المطلوبة، بعد أن حصلت عليها بشق الأنفس، إلا أن المعونة ما تزال مقطوعة حتى هذا اليوم".
وعائلة الطرباق هي واحدة من مئات العائلات الغزية في الأردن التي تطاردها لعنة عدم امتلاك رقم وطني، فتحرم الأصحَاء من أبنائها الحق في العمل والتعليم العالي والتملك، وتحرم المرضى منهم الحق في العلاج والإعانة والرعاية، فتراكم همهم وتفاقم معاناتهم.
متلازمة الجهل والفقر والمرض
شحوب يغطي ابتسامة ذابلة رسمتها الطفلة شمس (15 عاما) تواري بها خجلها عند سؤالها عن سبب تركها المدرسة عند الصف الثامن الأساسي، مجيبة "الغد": "هكذا يريد أبي!".
بدوره يقول والد شمس الخمسيني الذي أقعدته جلطة نصفية عن العمل، وأفقده مرض السكري إحدى ساقيه، وأدى إصراره على معاندة وتجاهل المرض، إلى إصابته بكسرٍ في الحوض: "أخرجت شمس من المدرسة لأنها غير فالحة في الدراسة، وأخرجت أخاها كذلك عندما أنهى الصف العاشر الأساسي لعله يمسك صنعة يسترزق منها ويعيننا على مصاريف الحياة بدلاً من إضاعة الوقت في المدارس".
ويوازي الشحوب الذي يغطي ابتسامة شمس بؤس يملأ عيون الطفل حسن (9 أعوام) ليخطف براءته، وهو يصطحب إخوته الأربعة الأصغر منه سناً ويلوح لأمه بساعدٍ تظهر عليه آثار تعنيفٍ من "أبٍ يعاني من اضطرابٍ نفسيٍ حاد" حسب تقرير من وزارة الصحة، بينما تقف الأم "الأمية" عاجزة عن حماية أبنائها.
ويقول الخبير الاقتصادي حسام عايش لـ"الغد": "يمثل جبل النظيف نموذجاً لكثير من مناطق عمان التي تعاني عدداً من المشاكل الناجمة عن الإهمال وانخفاض الرعاية والاهتمام من الجهات المسؤولة، ما يؤدي إلى تراجع المستوى الاقتصادي وانحسار مظاهر التمدن والتحضر، فيجد أبناء المجتمع أنفسهم مضطرين للانسجام مع هذه البيئة والتعايش معها، وينعكس ذلك على علاقاتهم بعضهم ببعض، وعلى رؤيتهم لأنفسهم في ظل شعورهم بأن التردي الشديد في مستوى معيشتهم وقلة دخلهم يرتبان عليهم تكيفا سلبيا مع الحياة".
ويتابع عايش: "من أبرز مظاهر ذلك التكيف السلبي، عدم الاهتمام بتطوير الذات، واعتبار ذلك التطوير ليس له قيمة أو أثر على واقعهم، وخاصة على مستوى الأبناء، حيث يرون أن الفائدة المتحصلة من العمل أكثر أولوية من التعليم وتحصيل الشهادات".
ويضيف: "ينبغي على الحكومة تسليط الضوء على متطلبات جبل النظيف وغيره من المناطق الفقيرة ورصد المخصصات لتنفيذ مشاريع جادة لتطويرها والاستثمار في عقول أبناء تلك المجتمعات المنغلقة على نفسها".  

local@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017