التحالف المدني مذكرا بابن رشد

إبراهيم غرايبة

أنشأ تيار التحالف المدني حالة فكرية وسياسية جديدة في الفضاء الأردني، ولعله الحراك الوحيد الذي استطاع أن يواصل عمله ونموه بعد انكسار الربيع العربي؛ ذلك أن التفاعلات التي أنشأت الربيع العربي هي البحث عن مخرج للأزمة السياسية والاقتصادية التي هيمنت في عالم العرب، وكانت الإجابة ببساطة ووضوح هي "الحريات والازدهار"، وبسبب طبيعته الفكرية والاجتماعية فإن التيار الليبرالي يسلك غالبا في التأثير والنضال باتجاهات سلمية وعقلانية وفي قضايا واهتمامات لا تلهم التيار الاجتماعي الغالب الذي تغلب عليه القضايا والوعود الكبرى، ويفضل الانسحاب من الإصلاح بما هو عمل يومي وصراع مملّ ومعقد يمتد من الفلسفة السياسية المنشئة للحكم والإدارة  والعلاقات والثقافة إلى الاشتباك اليومي مع مسائل الحريات والموارد والإنفاق والسلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة،.. ولسوء الحظ فإنها أفكار واتجاهات يتوصل إليها الناس في مرحلة عمرية متقدمة، ولا يعود أغلبهم يحتمل نفسيا وصحيا العمل الطويل والنضال والمواجهة، كما تشغلهم التزامات شخصية ومعيشية وعلاقات وحسابات معقدة، فالعمود الفقري للعمل العام والتطوعي يقوم على شباب متحمسين يملكون الوقت والجرأة وليس لديهم حسابات ومصالح.
لكنّ هناك تحولين كبيرين يعملان اليوم لصالح الليبرالية السياسية والاجتماعية، ويغيران بجدية في الاتجاهات السائدة في الفكر والحياة؛ وهما المراجعات الفكرية والسياسية الواسعة التي تشغل الشباب، والتحول من القضايا الخارجية والشاملة والمواقف الأيديولوجية إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الوطني، والحال أن الربيع العربي وإن بدا أنه انحسر جماهيريا ما يزال يفعل ويؤثر بعمق وهدوء في الأفكار والاتجاهات لدرجة تشجع على الاستنتاج أن المشهد السياسي والاجتماعي المقبل في المستقبل القريب سيكون مختلفا اختلافا جذريا وكبيرا عن مسار السياسة والاجتماع الذي ساد منذ الحرب العالمية الأولى.
عندما قرأت رواية امبرتو ايكو "اسم الوردة"  قبل عشر سنوات كنت مشغولا بالأحداث التاريخية والصراعات الكبرى التي نشأت في أوروبا منذ القرن الحادي عشر الميلادي وظلت تتصاعد حتى عصفت بكل ما كان قائما في أوروبا من أنظمة سياسية ودينية واقتصادية وأنشأت عالما جديدا مختلفا هو ما نعيشه اليوم، لكني بالأمس عدت إلى الرواية مرة أخرى باحثا عن الجدل الفكري والديني في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو جدل يشبه إلى حدّ كبير الجدل الذي يدور اليوم في فضائنا الوطني والقومي عن الدين والسياسة والحياة والفرد،...
ومن الملفت أنه جدل أطلقه في الغرب ابن رشد وأبو حامد الغزالي، حتى إن الفلاسفة ورجال الفكر والدين في الغرب كانوا يقسمون في الغرب كما يقول ارنيست رينان إلى رشديين وغزاليين، .. يقول متحسرا أحد رهبان القرن الرابع عشر  في رواية ايكو لقد غير ابن رشد العالم، لكن ما حدث أن الغزاليين انتصروا في الضفة الشرقية والجنوبية للمتوسط، وانتصر الرشديون في الضفة الشمالية، فتوقفت الحريات وتبعها الاجتهاد والتأليف والإبداع في الضفة الشرقية الجنوبية، وانطلق الشماليون في عزم وإصرار ضد الظلم والوصاية والتقليد.
 ذهب أورلياك الذي صار البابا سلفستر الثاني إلى الأندلس يبحث عن علوم العرب وينقل إنتاجهم الفلسفي والعلمي، ونهضت حركة واسعة للحريات والفنون والترجمة، وفي الوقت نفسه أحرقت كتب ابن رشد في احتفال بهيج! حتى إن كثيرا من كتبه الأصلية اختفت نهائيا، وهناك اكثر من 25 كتابا لابن رشد من التي نقرأها اليوم بالعربية إنما ترجمت من اللاتينية والعبرية بما فيها أهمها جميعا وهو كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018