ماذا سيروي التاريخ عن نتنياهو؟

يديعوت أحرونوت

يوعز هندل

جرى أمس احياء ذكرى وفاة مناحيم بيغين. وبخلاف اصدقائي في اليسار، في نظري كان بيغين ولا يزال نموذجا للاقتداء. ليس انسانا كاملا، ولكن يكفي لوضع اسمه أمام القضايا الحالية وتلقي جواب عما هو الطريق المستقيم.
العقل السلم، مثلا، يعرف كيف يشرح ماذا حصل لنتنياهو في قضية الهدايا. من اللحظة التي اعترف فيها بانه تلقى هدايا، توضح "تجربة بيغين" ما هي المشكلة، جنائية أم غير جنائية. فالموظف العام لا يمكنه أن يتلقى هدايا بملايين الشواكل بشكل جار على مدى عقد من الزمن. ليس هناك موظف بلدية يمكنه أن يتلقى هدايا كهذه من صديق هو بالصدفة يسكن في المدينة او يبني فيها. ولا النائب في الكنيست أيضا. عندما يضاف إلى ذلك تضارب المصالح، يصبح هذا حتى اكثر اشكالية من ناحية قضائية.
ومقابل الهدايا، فإن العقل السليم – عقلي على الاقل، يجد صعوبة في أن يفهم ملفات الاتصالات. الشرح ما الذي دفع نتنياهو للتورط، لاجتياز الخطوط او للسقوط في مواضيع التغطية الاعلامية. فـ "الاعلام" لم ينجح ابدا في التأثير على جمهور ناخبيه للتصويت بشكل مختلف، بل العكس، هكذا كان حين كان منسجما، وأنا وآخرون صوتنا لنتنياهو، وهكذا الان حين اصبح اكثر تنوعا ويلعب فيه أيضا كالنجوم صحفيون ووسائل اعلام من اليمين.
إذن ما الذي دفع نتنياهو لان يخاطر هكذا؟ جوابي هو: صفحات التاريخ. نتنياهو ينظر إلى المدى البعيد. وهو يفهم بان من يكتب التاريخ ليست هي مقاعد الليكود، ميري ريغيف، دافيد امسالم او ميكي زوهر، بل مؤرخون مثل أبيه الراحل – الـ "نخب" من اليمين ومن اليسار. هذا هو السبب الذي يدفعه إلى أن يحاول اقناعهم بتجميد نتاج ولايته.
هاكم قصة من العام 2011، عندما كنت مستشاره. ذات صباح نشر في "هآرتس" مقال بقلم آرييه شافيت عن ايديولوجيا نتنياهو. في نظري كان المقال ممتازا. فقد أثنى على الرؤية الاستراتيجية لنتنياهو وهاجم نزعة المحافظة والتردد السياسي لديه. هجوم من هذا النوع هو بركة لجمهور الناخبين. في نظر نتنياهو لم يكن هذا مقالا جيدا، رغم نصف الكأس الملآى. وطلب أن نكتب ردا ووظف لذلك وقتا. فالأهمية التي أولاها لمقال وحيد هي العقيدة كلها على ساق واحدة: عقيدة الكلمات لنتنياهو.
يناور نتنياهو على السفينة جيدا، ولكن لا يمينا بل في الوسط. وكلماته وحدها هي اليمين. محقون اولئك الذين يدعون بانه في اليوم التالي لنتنياهو لن يتغير شيء. فالبحر سيبقى ذات البحر، والعرب ذات العرب. من يؤمن بان نتنياهو هو حاجز امام السلام، يوشك على ان يخيب ظنه مرتين. أولا، السلام لن يأتي، لن تكون دولة فلسطينية مستقلة، لان مثل هذه الدولة ستشكل خطرا وجوديا على إسرائيل. ثانيا، نتنياهو هو "حاجز" فقط وحصريا أمام الغضب من اليمين على قيود البناء وسياسة التجميد في يهودا والسامرة. بوسعه ان يسوف، ان يقول الامر وعكسه، وهو يخلق لليمين انبوبا لتحرير البخار.
يرى نتنياهو على نحو سليم القيود القائمة في السياسة، غير أنه من ناحيته القول أهم من الفعل: الكلمات هي كل شيء. هو يقف على اكتاب عمالقة – رؤساء وزراء قبله – وفي الجوانب السياسية لا يختلف حتى عن اليساريين منهم. احيانا احاول أن اتخيل ماذا كان سيحصل لو كان حزب مباي يتبنى رؤيا أرض إسرائيل الكاملة. الجواب هو انه سيكون اليوم في يهودا والسامرة مليونا إسرائيل وليس نصف مليون فقط. عندما كان مباي يريد، كان على الاقل نجح في اقامة احياء هائلة في شرقي القدس.
هناك من سيقولون ان نتنياهو هو الذي بنى بالذات في يهودا والسامرة أقل من كل الباقين (مبعوثه إلى محادثات السلام ظهر دوما مع جداول أظهرت بان بالذات باراك، اولمرت وشارون بنوا أكثر). وهو يناور سياسيا على نحو ممتاز، ولكن يجد صعوبة في أن يناور في افعاله ونتائجها بحيث تتطابق والصورة.
كل فضائله في محافظته. في نظري هذا يكفي؛ ليس في نظر اولئك الذين يكتبون التاريخ. ليس في "تجربة بيغين". هذا هو السبب الذي يجعل نتنياهو يبحث عن السبل للتأثير على ما كتب وعلى من يكتبون. يريد أن يقنع بالذات اولئك الذين لا يصوتون ولن يصوتوا له.
في تاريخ الصهيونية مكان شرف للصحافيين. هيرتسل وجابوتينسكي عملا في الصحافة. نتنياهو، بخلاف ممثليه في الشبكات الاجتماعية وردود فعله المكتوبة، يقدر الصحافيين ويقدر الكلمات. وهذا هو العبث: اكثر مما هو ضعفه للهدايا، ضعفه للتاريخ من شأنه أن يكلفه بالشكل الذي سيخط فيه في الذاكرة التاريخية.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018