اليسار مجبر على بلورة أساطير مجندة جديدة

هآرتس

زئيف شتيرنهيل   26/5/2018

يوم الاثنين 14 أيار (مايو)، يمكن استخدامه في المستقبل نقطة انطلاق ممتازة للمؤرخين الذين يريدون تحليل الواقع في إسرائيل في السنة السبعين على إقامتها. الاحتفال في القدس واندفاع فرح الجمهور في ميدان رابين في اليوم الذي قتل فيه 60 فلسطينيا أعزل، الذين حاولوا "تدمير إسرائيل"، حسب إعلان نتنياهو، تعبر عن ملخص التوجهات التي تشكل صورة المجتمع الإسرائيلي.
الاحتفال المسيحاني المجنون، وتحويل الفائزة في الاوريفزيون إلى أيقونة تستحق السجود أمامها مع تجاهل كامل للواقع الفظيع على حدود قطاع غزة، تدلل على أن التوق إلى الأساطير وقدرتها على تجنيد الجمهور لم تتغير حتى في الفترة التي أصبحت فيها التكنولوجيا تسيطر على المجتمع وتهدد تماسكه، لذلك فإن اللقاء الأكاديمي الذي عقد مؤخرا في جامعة تل أبيب في موضوع بناء أساطير في العصر الحديث، كان من شأنه أن يثير اهتمام أكثر من حفنة مشاركين؛ حيث إنه في الوضع الراهن، يدور الحديث عن نقاش في مكونات ستحدد شكل المجتمع الإنساني بشكل عام والمجتمع الإسرائيلي بشكل خاص. المؤتمر الذي خصص لكتاب دافيد اوحانا "الترتيب الأسطوري للحداثة" (إصدار الكرمل)، ركز في أغلبه على الدور المركزي الذي لعبته الأساطير في الثورة الصهيونية وفي إنشاء دولة إسرائيل. ولكن رغم أنه من المهم الاعتراف بحقيقة أن إسرائيل قامت كنتيجة واضحة لتبني الأساطير القومية التي تمت بلورتها في أوروبا كبديل للدين، فإنه في إسرائيل 2018 من المهم أكثر فهم الطريقة التي خلقت بها الأساطير وكيف تؤثر على الواقع الاجتماعي والسياسي.
المتحدثون، ومن بينهم البروفيسور موشيه آيدن والبروفيسور رون مارغولين والبروفيسور موشيه كوتسرمن، طرحوا الخلفية التاريخية للظاهرة العالمية التي ترافق المجتمع الإنساني منذ بدايته. الأساطير، كما قالوا، تعمل على الإحساس والخيال وهي أكثر خيالية من التفسيرات المنطقية. هذه الأساطير تنشر مثل قصص، تعطي أهمية وتفسيرا للعالم، وتمنح هوية لمجموعة وتستخدم مثل الصمغ الذي يجمع أعضاءها. هذه الحقائق، كما يتبين، لم تتغير حتى عندما ظهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن العلمانية والعلم والتفكير المنطقي ستؤدي إلى نهاية الأساطير البدائية.
في إسرائيل الحالية، ليس من الصعب تشخيص تأثير مجموعات صغيرة، يتم تحريكها من قبل الإيمان بأساطير الشعب المختار، التي يريد أعضاؤها العودة إلى الأيام الأولى من خلق العالم ومستعدون للموت من أجل حجارة "مقدسة". ولكن من المهم أكثر ملاحظة أساطير أقل بطولية آخذة في التشكل أمام أنظارنا.
أولا وقبل كل شيء يجدر تحليل مفهوم "الشعب" الذي يزداد استخدامه يوما بعد يوم، ليس فقط في الشبكات الاجتماعية بل أيضا في وسائل الإعلام المؤسسة. هكذا تم تبشيرنا مؤخرا ثانية بأن "الشعب" مع اليئور ازاريا وضد نتالي فورتمان. يبدو أن الأمر يتعلق بظاهرة هامشية، لولا حقيقة أنه في تزايد الأنباء التي تنسب لنفسها ملكية الشعب يكمن خطر: بدون إدراك هي تتحول إلى اللبنات الصغيرة التي تبنى منها في النهاية الأساطير الجديدة لبداية القرن الواحد والعشرين.
هكذا مثلا خلق التحديد المطلق لمفهوم "شعب" مع اليمين أسطورة أيضا في الجانب الثاني من الخريطة السياسية، الذي وجد تعبيره في شعور اليأس الذي يرافق معسكر اليسار. حقيقة أنه في الأسبوع الأكثر نجاعة في الحياة السياسية لنتنياهو عندما وفّق بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين منحته الاستطلاعات فقط 5 مقاعد أخرى، تدلل على أنه ليس كل "الشعب" يتدفق خلفه بعيون مغمضة. حتى لو تقلصت كتلة اليسار فإن كتلة الوسط ما تزال مترددة بين الجانبين.
إضافة إلى ذلك، فإن الندب على هزيمة النخب "القديمة" مبالغ فيه. قوتها بارزة ليس فقط في الأكاديمية، في الثقافة والفن، أيضا في الاقتصاد الذي يعتمد على أشخاص مهنيين ذوي ثقافة عالية -اقتصاديون، علماء، محامون وأطباء- تستند في أغلبها على شخصيات "الماضي" الذين بدون علاقة مع الخلفية الطائفية يميلون إلى دعم اليسار-وسط.
المشكلة هي أنه في اليسار ليس فقط لا يوجد اليوم أساطير مجندة، بل أيضا ليس في أوساطه من يفكر بتشكيلها. في المقابل، اليمين ليس فقط يؤسس قوته على إحدى الأفكار التي تلفها الأساطير والتي لديها قوة التجنيد الأكبر في العهد الحديث -القومية- بل يوجد في أوساطه أيضا من ينجح في استغلالها بنجاح. لا شك أن نتنياهو خبير في هذا المجال. استحواذه بشأن الإعلام ليس صدفة. هو يعرف جيدا حقيقة أن هذه هي الوسيلة الناجعة جدا لبناء أساطير مجندة يمكنها تشكيل الخريطة السياسية.
حتى لو أنه لم يقرأ كتاب اوحانا أو كتبا أخرى منشغلة بهذا الموضوع، فهو يعمل بالضبط بالأسلوب نفسه الذي أوصى به في نهاية القرن التاسع عشر المفكرون الذين مهدوا الأرضية للمأساة التي حدثت في الثلاثينيات. لقد ناقشوا الأساطير كوسيلة سياسية ودعوا إلى إنتاج أساطير عنيفة من أجل تغيير الواقع. حقيقة أننا نعيش في فترة يتم التحكم بها من قبل زعماء عدوانيين مثل ترامب وبوتين وأردوغان وزعماء شرق أوروبا "الجديدة" الذين رفعوا عن أنفسهم كل القيود الأخلاقية، تذكر أيضا بواقع الثلاثينيات الذي تحولت فيه أساطير عنيفة إلى برامج عمل.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018