الكتابة.. مزيج فني يجمع بين الذات والواقع

ربى الرياحي

في الكتابة نبحث عن مساحة مفتوحة تعيد إلينا ما افتقدناه من قيم ومبادئ إنسانية ربما تجاوزناها رغما عنا. نطلق العنان لأفكارنا التي سئمت أن تظل حبيسة التسلط والهيمنة غير المبررة.
نسمح لها بأن تقودنا إلى حيث يتحقق التناغم ويصبح بإمكاننا صياغة كل ما نؤمن به من خلال مفردات تحمل وجوها متعددة للحقيقة الواحدة تلك التي تجعلنا في مواجهة ملحة مع ذواتنا كمحاولة منا لتوضيح كل ما هو مبهم وطرح رؤيتنا الخاصة بعيدا عن أكثر القيود معاداة للإبداع.
إن ممارستنا فعل الكتابة تأتي من قدرتنا على صنع عالم نختص به يشبهنا ويتماهى فعليا مع أحاسيسنا ورغباتنا، نكتب لكوننا قادرين على رفض ذلك الفراغ الأصم والعبث بتلك الأوهام التي نأبى أن نستسلم لها والتي أيضا قد تجعلنا عرضة للكثير من التخيلات غير المنطقية.
هناك على تلك المساحة الممتدة من البياض نسكب ما في أرواحنا من أحزان وأفراح ومخاوف نبوح بكل ما يعتمل دواخلنا من أوجاع تأبى أن تسكننا أن تستبيح لحظاتنا العابرة وتدينها بأسلوب فني يحتكم للإنسانية ولذلك التألق الذي يدفعنا لخلق صيغ تتيح بالتأكيد فرص التواصل بين ذواتنا وبين الواقع من حولنا بكل ما  يحتويه من شخوص وقضايا وتأملات تعكس بوعي حقيقي طبيعة المتغيرات، وطقوس أخرى من الضروري أن تبقى خاضعة للتحليل والاستنتاج والتقييم بناء على احتمالات الصواب والخطأ والثابت والمتغير والممكن وغير الممكن.
لقد أصبح البقاء على قيد الكتابة بالنسبة لأولئك الذين يأتون من أعمق نقطة في الهم الإنساني خيارا يترجم رغبتهم في استحضار كل المعاني العميقة المؤيدة حتما للإرادة باعتبارها سبيلا يوصلهم إلى تلك المنابر التي تتجلى فيها الحرية قولا وفعلا. كما تعلو فيها أصوات الحق والحب والجمال على أصوات أخرى معارضة لا تعترف سوى بالكره والزيف وتزوير الحقائق. احترامهم لأنفسهم وتمسكهم بفكر ناضج يعي جيدا حجم المسؤولية القابعة خلف مضامين تطمح لأن ترتقي بمجتمع أنهكه الخوف والخنوع يحرضهم على أن يتقدموا بشوق عارم لمعانقة الكلمة الحرة التي تختزل بين حروفها العفوية والسحر والطهارة. هؤلاء بالذات لم يسمحوا للزمن أن يغيرهم بقيت أقلامهم نزيهة لا تنطق إلا بالحق تحارب كل من غاب ضميره وتخلى عن قيمه  فقط من أجل المال.
الكتابة حالة تتناول كل المتناقضات وتضعها تحت مجهر الواقع تحتكم لأدق التفاصيل وتتعمد البحث عن نقطة التقاء يتم فيها المزج بحس فني يقدس الإنسانية بين التخيل كخيار متاح وبين واقع صعب ومرير يكبلنا بقسوته كمحاولة منا لتجميل الحياة وإبقائها تحت سيطرتنا. يحدث ذلك عندما نسترجع كل ما مررنا به ونستعيد تلك اللحظات الصعبة التي صقلت تجربتنا ومنحتنا القدرة الكاملة على نسج علاقة متينة مع ما نريد أن نكتبه.
على تلك المساحات النقية نقرر أن نسقط كل الأقنعة الزائفة ونقف متحررين من صمت نخشى أسبابه. تحديدا هناك نبحث لأنفسنا عن لغة خاصة تصور بعمق صدق أحاسيسنا وتعكس أيضا مدى تفكيرنا ووعينا وتلك الآمال والتطلعات والاختيارات التي ننتقيها ونحاول أن نرسمها على جدار الذاكرة الآتية من المستقبل ومن حراك الواقع وربما أيضا من أمكنة تسكننا ونسكنها.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018