"كراهية افتراضية".. هل صنعتها مواقع التواصل الاجتماعي؟

  ديما محبوبة 

عمان – تسللت مشاعر "الكره" لنفس الثلاثينية مروة بمجرد تفقد حساباتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن تفاجأت بسيل من الصور التي بثتها صديقتها الافتراضية على فيسبوك، أثناء جولاتها السياحية.
وتعترف مروة أن هذا الأمر عكر مزاجها، وجعلها تشعر بالعصبية والامتعاض، حتى أنها وفي آخر اليوم عملت على إخفاء هذه الصور التي تخرج أمامها كل لحظة، مبينة أن الحالة التي اعترتها هذه مردها هو شعورها بأن هذه الصديقة التي تعرفت عليها عبر فيسبوك كثيرا ما تتفاخر بكل ما يحدث معها، وتجدها تبث كل صورها كنوع من التعالي والمباهاة بوضعها المالي.
في حين يستغرب الخمسيني عبد الله خصاونة من المشاعر التي يحملها جيل هذا اليوم على حد وصفه.
ويقول "قديما كانت الحياة أسهل وميسرة وحتى أن المشاعر كانت مستقرة ولها مبادئ تحركها، فالجميع كانوا يحملون مشاعر الطيبة اتجاه الآخر، وإن تغيرت تلك المشاعر أو أن انقلبت يكون نتيجة سبب مقنع وأذى مباشرة أو موقف محرج، ومن الصعب أن يصل الفرد إلى مشاعر إلا إذا عظم الذنب كثيرا".
أما جيل اليوم، كما يرى خصاونة، فمن الممكن أن يكره ويمقت شخصا هو لا يعرفه ولم يتعامل معه، حتى إن لم يلتقيه على أرض الواقع، ويكون كل ما يعرفه عنه هو ما يشاهده على مواقع التواصل الاجتماعي، فيبني فكرة ومشاعر ويتصرف بناء عليها من دون إدراك لمعاني الإنسانية.
وفي ذلك يرى اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع أن المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال البحث البسيط، يجد أن مشاعر البشر تغيرت كثيرا وباتت أكثر هوائية وتسرع في إطلاق الأحكام، مبينا أن الغريب في البشر أن لديهم قدرة عالية جدا في التعبير عن مشاعر الكره والحقد اتجاه بعضهم البعض حتى لو بشكل ليس مباشرا.
ويرى جريبيع أن زمن التواصل التكنولوجي أثر سلبا على طريقة الحكم على الآخرين، فقديما كانت التجربة والاحتكاك والمواقف كفيلة لرسم المشاعر وتوجيهها، أما اليوم فكلمة أو رأي عن قضية معينة أو صورة مع شخصية غير محببة يمكن أن تؤثر سلبا وتحمل الفرد إلى أقصى مشاعر الكره والضغينة.
ويمكن حسب جريبيع أن يكون هناك سبب لهذه المشاعر على سبيل المثال أن يكون فردا قد صدر منه مسبقا موقفا سلبيا، وبناء عليه قرر الآخر قطع تلك العلاقة وتجاهله رغم الاحتفاظ به عبر الصفحات الافتراضية، فباتت مشاعر الكره تتجلى فيما بعد.
ويمكن أن تكون الغيرة سيدة الموقف في كثير من المشاعر السلبية، من وجهة نظر جريبيع، مما يولد لدى الفرد الشعور بالنقص، مؤكدا أنه حتى عند رؤية شخص له قدر واحترام كبير بين الآخرين يمكن أن يسبب كرها وحقدا.
أما مظاهر الحقد والكراهية وأساليب التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتتمثل، بحسب جريبيع، بمحاولة تهكير واختراق صفحة الشخص المعني، أو إنشاء صفحة باسمه وهمية ونشر أمور لا أخلاقية عبرها، أو التعبير عن رأي سياسي غير صحيح يقصد من ورائه الأذية.
كذلك، العمل على إيصال رسائل على الحساب الخاص أو على تطبيق جديد، كما يقول، تحت عنوان صراحة نشر مؤخرا على فيسبوك أظهر مشاعر مخيفة، يمكن لشخص أن يكنها لآخر منها الدعاء عليه وعلى عائلته وتوجيه أقصى الكلمات وكشف المستور وتلفيق التهم، مؤكدا أن من يتتبع بعض الرسائل التي تصلت للغير يجد أن كم الحقد والكره كبير جدا، والتعبير عنه مخيف رغم أن المعرفة الحقيقية بين الأشخاص غير موجودة وإنما هي علاقات وهمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي.
ويشرح اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة أن هؤلاء الناس، الذين يطلقون لأنفسهم العنان بالحكم على الآخر ورسم مشاعر معينة لشخص لا يعرفونه حقيقة، ما هي إلا دليل على قلة ثقتهم بذواتهم، وتنم عن الشعور بالنقص، والرغبة في أن يكون كما الشخص المقابل له، ذاهبا إلى أن عدم القدرة على ذلك تجعل المشاعر السلبية تطفو على السطح وتظهر.
وبالفعل، كما يقول، يمكن أن تكون حالة على فيسبوك كفيلة بقلب مزاج أحدهم يوما كاملا، أو صورة جديدة لصديق وهمي هم يشغل أحد الأفراد المتتبعين لتلك الشخصية، وحمل مشاعر الكره اتجاهها.
ويستذكر أنه وفي إحدى الجلسات استمع لجدال طويل لمجموعة شباب وفتيات يتحدثن عن فتاة معروفة على الانستغرام تعمل "فاشنيستا" ورغم عدم معرفتهم الشخصية بها، إلا أنهم جميعهم يحملون مشاعر سلبية لها، حتى أنهم نعتوها بكلام بذيء وصفات مخيفة فقط، لأنها تقوم بذلك العمل، فالكثير منهم يجدها متكبرة وانتهازية.
وبعد السؤال إن كان أحدهم تعرف عليها شخصيا أو جلس معها لمرة واحدة، كانت الاجابات جميعها بامتعاظ ورفض حتى التفكير بالجلوس معها.
ويستغرب مطارنة من كم الحقد الذي أظهرته التكنولوجيا وتأثيرها على المشاعر الإنسانية وجعلها هشة ومنجرفة إلى الظاهر.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018