هل "اليأس" حينما يتملك الإنسان يقوده نحو الانتحار؟!

مجد جابر

عمان- يكثر الحديث عن فعل الانتحار بحد ذاته، بدون التطرق بشكل واضح ومفصل عن الأسباب والعوامل والبيئة المحيطة والتراكمات التي قد تقود بأن يفكر الشخص بإنهاء حياته في لحظة.

"اليأس".. هو حالة يصل إليها من يفكر بالانتحار، بعد أن سيطر عليه الشعور بالإحباط والقهر والانعزال عن مجتمع يحس أنه لا ينتمي إليه ولا يتفهم حاجاته.

في الآونة الأخيرة، تزايدت الأخبار المتداولة عن حالات الانتحار وبأشكالها المختلفة ولأسباب متعددة. اختصاصيون اعتبروا أن مرحلة "اليأس" التي تسبق الانتحار تحدث بسبب عوامل عدة يتعرض لها الشخص ويعاني منها قبل أن يصل به الأمر به الى إنهاء حياته.

وكانت قد كشفت إحصائية رسمية، عن انتحار 17 شخصاً في الأردن منذ بداية العام الحالي، وفق مصدر أمني مسؤول، حتى شهر آذار (مارس). وقال المصدر، في تصريح سابق لـ"الغد"، إن حالات الانتحار تنوعت ما بين "إطلاق نار وحرق وشنق وشرب سموم وتناول كميات كبيرة من الأدوية، والقفز عن مرتفعات".

وأضاف "تم التعامل مع محاولات انتحار أخرى لأشخاص في مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين".

يشار إلى أن العام الماضي شهد أكثر من 110 حالات انتحار، مقارنة مع 120 حالة في العام 2016.

مستشار الطب الشرعي والخبير لدى الأمم المتحدة في مواجهة العنف، الدكتور هاني جهشان، يقول إن الخطورة تكمن بالحالة النفسية السابقة للانتحار، كالاكتئاب والفصام واضطرابات المزاج واضطرابات ثنائية القطب. كذلك القلق واضطرابات التواصل مع الآخرين، والشعور بفقدان الأمل، كلها تشكل عوامل الخطورة هذه وبما نسبته 65 % إلى 90 % من دوافع الانتحار.

إلى ذلك، العوامل الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث أثبتت العديد من الدراسات المسندة شيوع الانتحار في المجتمعات المهمشة والمحرومة والتي يعاني أفرادها من الفقر والبطالة والجهل.

ولا تهتم هذه المجتمعات بالصحة العقلية، وفق جهشان، بسبب الوصمة الاجتماعية، ويتفاقم الأمر سوءا بسبب ضعف أو غياب الخدمات الحكومية في مجال الصحة العقلية الوقائية والعلاجية.

وأضاف أن ازدياد الفقر والجهل والبطالة وبغياب توفر خدمات الصحة العقلية، يزداد شيوع الانتحار، وتتفاقم الأمور عند معاناة الأفراد في المجتمعات الفقيرة المهمشة من التعود على الكحول أو الإدمان على المخدرات والعقاقير أو من معاناتهم من أمراض نفسية أو اضطرابات سلوكية.

ومن العوامل كذلك تلك المتعلقة بالتعرض لحدث أليم أو صدمة في الحياة، فقد يكون بسبب العنف الجسدي الشديد أو التعرض لاعتداء جنسي كالاغتصاب وخاصة لدى اليافعين والمراهقين أو تعرض الفتيات للاستغلال الجنسي، كذلك حدوث وفاة لشخص قريب، أو الخسارة الاقتصادية أو فقدان الوظيفة أو إفلاس الشركة.

ويشير جهشان إلى أن ذلك ينتج عنه أعراض متلازمة ما بعد الصدمة، وهي عبارة عن تكرار ذاكرة الحدث المؤلم بشكل اقتحامي ويرافق ذلك تجنب ظروف مشابهة للحدث واضطرابات النوم والطعام، وقلق وتوتر، وفي حال لم يتم علاج ما بعد الصدمة من قبل الطب النفسي والعلاج النفسي السريري والدعم الاجتماعي، فهناك احتمال بأن تنتهي الحالة بالانتحار.

ويبين أن المعاناة من مرض خطير تعد من الأسباب كذلك التي تؤثر على الحالة النفسية للمريض وقد تسبب الانتحار، بالإضافة الى الوصمة الاجتماعية مثل الهروب من فضيحة ارتكاب جريمة، أو عدم القدرة على التأقلم.

كذلك العوامل الأسرية، فهناك زيادة في النزعة للانتحار في حالات الزواج المبكر وفي حالات وجود العنف الأسري، وفي الطلاق ووفاة الزوج أو الزوجة (الترمل)، والعزلة الاجتماعية، والإخفاق بالتواصل الاجتماعي على مستوى أفراد الأسرة تشكل عوامل خطورة للانتحار وإن كانت غير مباشرة.

ويشير جهشان الى أن واقع خدمات الطب النفسي العلاجية في الأردن ليس بأحسن حال على مدى السنوات الماضية وفي انحدار مستمر، وهنالك فشل تضمين برامج الصحة العقلية في خدمات الصحة العامة في المراكز الصحية في عموم المملكة.

كما أن هنالك غيابا تاما للمراكز المتخصصة بحالات الانتحار التي لها خط ساخن تساعد من يحتاجها بتوفير الدعم على مدار الساعة ويتواجد بها مهنيون من القطاعات الطبية والنفسية والاجتماعية، كلها أسباب توضح زيادة نسب الانتحار.

وفي ذلك، يذهب دكتور علم الاجتماع والجريمة، حسين محادين، الى أن الانتحار هو وصول الفرد الى أعلى درجات الضعف نتيجة لاغترابه عن محيطه أو لأنه غير مرغوب فيه ضمن جماعة ما، مع عدم إحساسه بأن هناك من يهتم به في غياب للتكافل.

وقد يكون الشخص مبدعا جداً، فيشعر أن وجوده في الحياة لا يكفي لإشباع فضوله في اكتشاف ما هو مختلف عن الواقع الذي يعيشه. ويشير محادين الى أن إحساس الإنسان بهذا اليأس يؤدي الى وصوله لأعلى درجات الضعف، بحيث لم يعد لديه دوافع نفسية واجتماعية أو حتى بريق أمل.

وهذا يتأثر بأنماط التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الأفراد عبر المؤسسات الاجتماعية منذ الصغر، فأحياناً العناية الزائدة من قبل الأهل تضعف مناعتهم في التصرف بالأزمات، وأحياناً أخرى الأهل عندما يعطون أبناءهم صورا حالمة عن الواقع وتجميلها أكثر من اللازم يصنع لهم ذلك الأزمات.

ويرى الاختصاصي النفسي والتربوي، الدكتور موسى مطارنة، الى أن الانتحار حالة ليست وقتية، إنما هي نتاج لإحباطات شديدة تصيب الفرد وتضعف قدراته على المقاومة في الجهاز العصبي، فينهار مرة واحدة ويحدث بعدها الانتحار.

الأساس فيها، وفق مطارنة، غياب المساندة النفسية، ما يجعل الشخص يشعر بأنه وحيد وغير قادر على فعل شيء ويصل الى حالة من اليأس، وبالتالي في لحظة ضعف معينة ينهي حياته وينتحر.

ويذهب مطارنة الى أن ما يسبق الانتحار حالة من الضغط النفسي الشديد بسبب المرور بظروف مختلفة، وأحياناً تراكمات لا يتم التخلص منها ومعالجتها، فتتسبب هذه الحالة النفسية بدخول مراحل الاكتئاب ونتيجة أن الموت أفضل من الحياة.

ويضيف أن هؤلاء الأشخاص لم يختبروا الحياة في بيئة مناسبة وحياة أسرية مستقرة، بل وصلوا لمرحلة تتساوى فيها الحياة مع الموت، وغاب عنهم الجانب الروحي الذي يغذيهم ويعطيهم حالة من الاستقرار والطمأنينة، لافتاً الى أن اللحظات التي تسبق الانتحار هي لحظات انهيار المقاومة الذاتية وصولا للإيذاء النفسي.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018