كوريا الشمالية: بقية الشمولية في العالم

إبراهيم غرايبة

نشرت وسائل الإعلام قبل أيام قليلة، أن حوالي مائة شخص أعدموا مؤخرا في كوريا الشمالية لأنهم يشاهدون تلفزيون كوريا الجنوبية. وقد جرى إعدامهم علنا في الساحات العامة. ومنذ مجيء الرئيس الثالث لكوريا الشمالية، ترد أخبار عدة عن إعدام عدد من أعضاء الفرقة الموسيقية الوطنية، وعدد كبير من قادة الجيش والدولة.
والواقع أن كوريا الشمالية تمثل تحدياً للدارسين والمحللين، باعتبارها دولة مغلقة نأت بنفسها عن محيطها الجغرافي. وما تقدمه الجهات الكورية الرسمية للمنظمات الدولية لا يتجاوز معلومات سطحية غامضة غير مفصلة. وتمثل هذه المعلومات، على ضحالتها، مصدر الباحثين في دراسة وفهم كوريا الشمالية.
بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار الشيوعية، طُرح سؤال عن مستقبل كوريا الشمالية ومصير نظامها السياسي. ولكن كوريا الشمالية استطاعت أن تحافظ على بقائها، متمسكة بشمولية نظامها السياسي والاقتصادي. إلا أن السؤال عن مستقبل هذا البلد ظل يُطرح باستمرار، ويشغل الدوائر السياسية والأكاديمية والعسكرية في العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان. وبعد "الربيع العربي"، عاد السؤال من جديد: هل سيمتد هذا "الربيع" إلى كوريا الشمالية؟ هل ثمة تشابه بين كوريا وليبيا؟
كما طُرح السؤال بعد وفاة "كيم إل سونغ"، رئيس كوريا الشمالية المؤسس لنظامها الشيوعي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف التسعينيات. ولكن خلفه، ابنه "كيم يونغ"، واصل سياسة والده، وعبرت كوريا الشمالية الأزمة. وتوفي كيم الابن في نهاية العام 2011 ليخلفه ابنه "كيم يونغ أون" ليكون أصغر رئيس في العالم. وما يزال السؤال قائما بإلحاح، ويشغل دول العالم ودوائر التفكير وصناعة القرار فيها؛ إن كانت كوريا الشمالية سوف تستمر في عزلتها، ومدى قدرتها على مواصلة سياستها هذه، وفرص واحتمالات التغير، ونماذج هذا التغير الممكن، حيث يبدو النموذج الصيني هو المرشح.
وبرغم عدم التشابه بين البيئة المشكّلة للربيع العربي وبين البيئة المحيطة بالدولة ومؤسساتها في كوريا الشمالية، فإن هذا "الربيع" في كونه مفاجئا، كما في كونه قام على أكتاف فئة غير متوقعة، يجعل هذه الحالة بخاصة واردة في كوريا الشمالية.
أدت المجاعة التي وقعت في منتصف التسعينيات إلى تغيرات سريعة وجريئة في بنية الاقتصاد الكوري الشمالي، وأدت إلى مزيد من الاعتماد على السوق في التزود بالغذاء. قبل ذلك، فإن انتهاء الحرب الباردة حفز الدولة على مزيد من التحول في نظامها الاقتصادي وفي استراتيجياتها الدولية، وإن لم يتغير النظام السياسي.
يبدو صعبا، إن لم يكن مستحيلاً، تأكيد الدور الأيديولوجي في السنوات الأخيرة، بعدما تقدم الاقتصاد في قيادة السياسة. وتؤيد شهادات المنشقين عن كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة مقولة: إن الاقتصاد يُضعف قيادة الأيديولوجيا وتأثيرها في الحياة العامة وفي النظام السياسي. وينمو هذا الوعي جزئياً تجاه العالم في كوريا الشمالية، ليعترف بالفجوة بين حقائق العالم الخارجي والواقع القائم في الداخل، وبين ما يقوله القادة السياسيون وما يُنشر في وسائل الإعلام. وبرغم الجهود الكبيرة والمتقدمة التي يبذلها النظام للحفاظ على التأييد الشعبي لسياساته في العزلة، أو ما يسمى "زوتشيه" أي الاعتماد على الذات؛ فإن الكوريين بعامة أكثر إدراكا للحقائق في العالم الخارجي، كما أن الأخبار العابرة للحدود اليوم أكثر انتشاراً واتساعاً مما كانت عليه الحال قبل عقد أو عقدين من الزمان. وحتى في ظل حظر النقد العلني للنظام، يتزايد عدد الكوريين الذين يتجنبون الاستجابة لدعوات النظام، ويغامرون من أجل الحصول على منتجات الترفيه والإعلام الجديد القادم من الخارج وكوريا الجنوبية.
برغم السياسات والمواقف المحافظة التي تُظهرها قيادة كوريا الشمالية، فإنها تتجه نحو شيوعية أكثر نضجاً. ويبدو أن الدولة لا خيار أمامها على المستوى الاقتصادي، لأجل تحدي الحصار الدولي وتجنب الانهيار والسقوط، سوى إصلاح جوهري. فالإصلاح الاقتصادي والسياسي أصبح ضروريا لأجل البقاء. وقد يؤدي الإصلاح أو تجنبه إلى سقوط النظام السياسي جزئيا أو كليا أو تغيره، ويظل الإصلاح الاقتصادي الخيار العملي لتجنب الانهيار السياسي، وربما الشامل.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018