التذاكي في التسطيح!

محمد أبو رمان

الطريف في جولة "المفاوضات الشاقّة!" (في رحلة تشكيل الحكومة) فعلاً، أنّ ما نسب إلى الرئيس المكلف د. عبدالله النسور، أمس لا يختلف بتاتاً عما قاله منذ اليوم الأول حول تشكيل الحكومة؛ فهو لن يوزّر نواباً، ولن ينتظر تنسيب النواب بأسماء الوزراء، بل سيختار فريقه الوزاري وفق قناعاته الشخصية. لكنه حفظ ماء وجه النواب أمام أنفسهم والرأي العام بالقول إنّه سيُدخل النواب بالتدريج إلى حكومته، عبر تعديلات متتالية!
ربما الشيء الوحيد الذي طرأ على ما يضمره الرئيس بشأن تشكيلة الفريق الحكومي، يتمثّل في إبداء عدد من الوزراء (ممن أطلق عليهم لقب عابري الحكومات)، مثل د. جعفر حسّان، عدم رغبتهم في البقاء في الحكومة، مع الإبقاء على وزير الخارجية!
لم يتغيّر إصرار الرئيس على مواقفه الأصلية قيد أنملة، فقط، بل حتى طريقة تشكيل الحكومة لم تتغيّر هي الأخرى قيد أنملة. وربما الفائدة الحقيقية التي جناها الرئيس، من الأسابيع الماضية من المفاوضات، هي الركض في حلقة مفرغة لإيهام النواب والرأي العام بأنّ هنالك بالفعل مفاوضات ونقاشات، لكن في الحقيقة ما جرى أنّه استمر في تكرار الأفكار والمواقف نفسها، والحجج ذاتها؛ حتى أنّنا لو عدنا إلى تصريحاته خلال الأسابيع الماضية، فسنجد أننا أمام ثلاث جمل فقط لا غير، لم تتغيّر أو تتبدّل!
الحكومة، إذن، ستأتي على الطريقة التقليدية، وسيصطحب الرئيس معه أسماء وزراء من الفريق القديم، وسيأتي بأسماء جديدة، أغلبها لاسترضاء شرائح اجتماعية معينّة، وتلبية لرغبات بعض مراكز القرار. ولن تكون المعادلة مع مجلس النواب مختلفة بأيّ حال من الأحوال عن المعادلات السابقة، بل على الأغلب لن تصمد الكتل النيابية في اختبار الثقة، وستصوّت بالمفرّق لا بالجملة!
صحيح أن اتجاهاً واسعاً يتفق مع الرئيس، بالضرورة، حول عدم "توزير" النواب في اللحظة الراهنة، وأيضاً حول ضرورة اختيار الوزراء على قاعدة الكفاءة والنزاهة والجدارة، ولا يرى ضرراً في استدامة عدد من الوزراء على هذه القاعدة. لكنّ المشكلة هي في تسطيح الأشياء والقيم والمفاهيم؛ فما يحدث حالياً يقع ضمن المعادلة التقليدية نفسها، ولا يختلف عنها في شيء!
عند ذلك تصبح قصة المفاوضات، التي تمّ الخض فيها خلال الأسابيع الماضية، بلا قيمة ولا معنى حقيقيين، كذلك الحديث عن الحكومة البرلمانية. وربما هذا ما يستفزّ النخب السياسية والمثقفين إلى أقصى درجة ممكنة؛ أيّ الشعور بأنّ هنالك "تذاكياً" عليها، وهي الملاحظة التي يحملها مزاج نيابي واسع تجاه الرئيس نفسه، الذي يمضي ساعات طويلة في النقاش مع النواب، بلا نتائج واقعية!
إذا كانت الإمكانية محدودة (وأنا أتفق مع هذا الرأي) لولادة حكومة برلمانية اليوم من رحم المجلس الحالي، فلنكن واضحين في ذلك؛ لا أن نسطّح هذا الهدف المهم ونتحايل عليه، ونفترض "السذاجة" لدى مجتمع يتميز باهتمام استثنائي بالشأن السياسي ومستوى تعليم عالٍ!
أضم صوتي (هنا) إلى صوت الزميل جميل النمري (في مقالته بأمس)، عندما طالب بأن نتفق معاً على ما يمكن أن نحدثه من فرق في اللحظة الراهنة على الأقل، من خلال تداول أسماء الوزراء مع النواب، وبناء إطار أولي وتطويره لترسيخ تقاليد جديدة في تشكيل الحكومات، بدلاً من هذه الطريقة المستفزة.
ما نخشاه هو أنّنا أمام ليس فقط استمرار المعادلة التقليدية في تشكيل الحكومات، بل النوعية ذاتها، عندها لن يدفع ثمن هذه الصدمة السلبية د. النسور وحده، بل المجلس معه، وربما الدولة في هذه اللحظة الحرجة!

m.aburumman@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018