هل نحن في طور التحول إلى مجتمع سياسي؟

د. موسى شتيوي

كان العام الماضي عام المواطنين الأردنيين بامتياز، من خلال الحراك السياسي المتواصل وبوسائل التعبير كافة، سواء كانت الأساليب المباشرة والتقليدية؛ مثل التظاهرات والاجتماعات، أو من خلال الإعلام الإلكتروني أو الإعلام الاجتماعي، كما اصطلح على تسميته، ممثلا في "الفيسبوك" و"تويتر"، أو المواقع الإلكترونية الخاصة. إنه عام المشاركة الشعبية للمواطنين بأفكارهم وآرائهم وتصوراتهم حول مستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن العلامات البارزة في العام الماضي مشاركة الشباب والمرأة وحراك المحافظات.
لقد جاء جزء من هذا الحراك منتظماً في أطر سياسية، مثل الأحزاب ومؤسسات المجتمع التقليدية، وبعضه الآخر جاء خارج هذه الأطر بمبادرات شبابية ومحلية. وهذا له دلالات مهمة على التطورات اللاحقة.
خلال السنوات الماضية، كانت تمارس أشكال المشاركة السياسية، مثل الانتخابات، من خلال أطر اجتماعية كالأطر القرابية والعشائرية، ما أسفر عن غياب الخطاب السياسي العام المستند إلى الأفكار والمبادئ والمصالح العامة، الأمر الذي أدى إلى انحدار الخطاب السياسي. لكن الحراك السياسي في العام الماضي بدأ يعيد الاعتبار تدريجياً للحياة السياسية. وأزعم أن هناك بوادر أو مؤشرات أو ارهاصات بدأت تظهر في شتى المجالات، تشير إلى تحول المجتمع الأردني إلى مجتمع سياسي:
أولاً: تعاظم الاهتمام بالشأن العام والمصلحة العامة من جانب الشرائح الاجتماعية المختلفة، وبداية ترسيخ قيم ومفاهيم جديدة، مثل المصلحة العامة، والنزاهة، وسيادة القانون، والعدالة، وهي مفردات غابت تقريباً عن الحياة السياسية في الفترة الماضية. وهذا ينبئ بتحول ثقافي مدني في غاية الأهمية للمجتمع الديمقراطي والدولة المدنية المنشودين في الأردن.
ثانياً: هناك إدراك متنامٍ لأهمية التنظيم السياسي من خلال الأحزاب السياسية، سواء بالانضمام إلى أحزاب أو إنشاء أحزاب سياسية جديدة. لقد ظهر هذا الأمر لأن نسبة كبيرة بدأت تدرك أن المشاركة السياسية في المستقبل يجب أن تمر من خلال الأطر السياسية، وبشكل خاص الأحزاب السياسية. وتنطبق الحال على مؤسسات المجتمع المدني، إذ بدأت تظهر على أرض الواقع أشكال جديدة من منظمات المجتمع المدني منبثقة من القواعد الشعبية، وليس من صالونات المجتمع المدني في عمان.
ثالثاً: تمخضت السنة الماضية عن زيادة ملحوظة في مشاركة المواطنين السياسية في الأشكال كافة. وهذا مؤشر مهم جداً على الرغبة في الانخراط في الحياة السياسية، تعززه نتائج استطلاع حالة الديمقراطية في الأردن الذي أجراه مؤخراً مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية؛ إذ أشار 4% من المستطلعين إلى أن لديهم النية والرغبة في الانضمام إلى أحزاب سياسية في المرحلة المقبلة.
إن المراقب للحراك والمشاركة السياسية يشعر بازدحام الأفكار والمواقف والمطالب، ما يعطي انطباعا أن الوضع الحالي هو أشبه بالفوضى غير المنتظمة. وقد يكون هذا صحيحاً، لكن السبب الرئيسي لذلك هو ضعف الحياة السياسية السابقة على الحراك. وربما يكون هذا مؤقتاً، وعندما تبدأ الناس والجماعات بتنظيم نفسها، فسوف يتم تأطير الأفكار والمواقف بشكل منتظم، ومن ثم تنتهي هذه الحالة ونشهد تطوراً في الحياة السياسية والفكرية في الأردن.
إن ذلك يضع الأحزاب الحالية والقوى الفاعلة، ولكن غير المنظمة حزبياً، أمام مسؤوليات كبيرة في محاولة جذب المنتمين إليها في حالة الأحزاب، ومحاولة تنظيم نفسها في حالة الحراك الشعبي بشكل عام.
لقد أعاد العام الماضي الروح للحياة السياسية في الأردن. والتحول للمجتمع السياسي ليس بالعملية السهلة، ولكن الإرهاصات تشير إلى أن المجتمع الأردني يمر بمرحلة تحول سياسية مهمة جداً.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017