أنا فهمتكم !!

حنان كامل الشيخ

تصوروا أنني طوال تلك المدة، لم تصلني رسالة واحدة تصف إحباطكم، يأسكم، انكساركم، جوعكم، بطالتكم، فقركم، عنوستكم، بردكم، قمعكم، ضربكم، موتكم..

ولا رسالة واحدة تتحدث بلغتكم، اطمئنوا أحبتي، لم يفت الوقت بعد، فأنا الآن فهمتكم!

حسنا.. صلحوا لي لو أنني أخطأت، فأنا متسامح معكم ومتواضع أمام دروسكم. تتحدثون عن الضرائب التي فرضت على الفقراء؟ صدقوني لم أكن أعلم أن ذلك سيغضبكم، ولو أنني كنت أعلم، ما فعلتها معكم! اعتبروا أن الأمر انتهى من هذه الليلة، وأن الضرائب التي فرضوها "الأشرار" على سلة غذائكم ملغاة.

بل سأفرحكم أكثر وأرحلها الى البنوك والمؤسسات المالية، التي امتصت عروقكم وكبلت بالأقساط أعناقكم.

هل تصدقونني حين أقول لكم، انني قد تفاجأت مثلكم ؟ اعذروا جهلي بأنبائكم وكافئوني بمغفرتكم، لأنني أخيرا فهمتكم!

اقتربوا أكثر وصارحوني بآلامكم، قولوا لي رأيكم. نعم فمن الآن مسموح أن تقولوا رأيكم! فأنا الآن فهمت أن الادلاء بالرأي، وحرية التعبير، والمجاهرة بالجرح، ليس أكثر من احتجاج سلمي مؤدب، يهدف لبناء الحوار، ويخطط لعشق البلد، لذلك فهو لا يستلزم بالضرورة الرصد والقمع، خوفا من حدوث قلاقل، واضطرابات غير محسوبة، ترسمها "أياد خفية" كما كنت أعتقد ! وفوق ذلك، لم يبلغوني أن موضة حجب الإعلام ومصادرة الآراء وتكميم الأفواه، قد انقرضت بعد أن فتحت وسائل الاتصال وتكنولوجياتها النوافذ مشرعة لأصواتكم!

أنا فهمتكم، صدقا فهمتكم، وصلتني بعض رسائلكم التي تشكو فواتير علاجكم، وانقطاع أدويتكم، واكتظاظ أجسادكم في ممرات مستشفياتكم، وزحمة الآهات المختلطة بطول صبركم. وصلتني رسائل أخرى تتحدث عن بطالة شبابكم، وعن سوء استخدام السلطة، في توظيف أي كان، الا أنتم. وصلتني رسائل تبكي من حرقة الحرمان، من عنوسة قضت مضاجعكم، من الأسعار التي ألهبت أيامكم واستعرت في جيب أمنياتكم.

أنا فهمتكم.. ولو متأخرا لكنني فهمتكم، فكما يقولون أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا. لكن لحظة! وصلتني الآن آخر رسالة منكم، دعوني أقرأها عيلكم. انها تقول: لقد أخطأت يا سيدي هذه المرة أيضا، فأن تفهم متأخرا ليس خيرا من ألا تفهم أبدا، لأن الرهان على الزمن لا يكسب دائما!

hanan.alsheik@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018