نقابة أم نقابات للمعلمين؟

لا يوجد أي اختلاف أو تحفظ على حق المعلمين بأن يكون لهم نقابة تدافع عن حقوقهم، وتنهض بهم مهنياً واجتماعياً. ولكن اندلاع "أزمة نقابة المعلمين" إذا جاز التعبير في الفترة الماضية يثير بعض التساؤلات، ويدعونا الى استخلاص بعض الدروس منها. التساؤل الرئيسي يدور حول طبيعة وشكل النقابة التي يريدها المعلمون والمجتمع.

إن بداية الإجابة عن هذا السؤال، قد تكمن في حيثيات إدارة الأزمة بين لجان المعلمين والحكومة. فعلى الجانب الرسمي وبالرغم من الموقف الدستوري الرافض لمبدأ النقابة للمعلمين، إلا أن الحكومة عادت وأبدت مرونة باعترافها بحق المعلمين بتنظيم أنفسهم، ولكن بشكل تنظيمي أقل من نقابة من خلال طرحها لروابط المعلمين في المناطق أو المحافظات.

لكن ردود الأفعال على موقف الحكومة كانت متباينة من قبل لجان المعلمين في المناطق المختلفة، فهناك من لجأ للتصعيد من خلال الإضرابات ومحاولة الضغط على الحكومة، وهناك من لجأ للتهدئة وإيضاح موقف الحكومة وفتح حوار معها من أجل الوصول الى حل يرضي جميع الأطراف. وبعبارة أخرى فإنه من الواضح عدم وجود رؤية موحدة للجان المعلمين في المناطق المختلفة حول الاستراتيجية الواجب اتباعها للوصول للهدف المنشود.

إن هذا الاختلاف، لا شك يضر بجهود المعلمين في الحصول على نقابة لهم من جانب، ولكنه أيضاً قد يعكس عمق الخلاف حول الأهداف من النقابة لدى المعلمين، حيث بات من الواضح أن البعض يريدها نقابة سياسية قبل أن تكون مهنية، وأن البعض الآخر يريدها مهنية أكثر منها سياسية. إن محاولة تسييس قضية نقابة المعلمين تؤكد أسوأ الشكوك لدى الجهات الحكومية والشعبية وتثير قلقها وتحفظها حول إمكانية تسييس النقابة.

الدرس الثاني من الأزمة يرتبط بإدارة الأزمة بين اللجان والحكومة، فاللجوء للإضرابات والاعتصامات من دون استنفاد سبل الحوار مع الحكومة أو من دون فتح حوار معها أصلاً، قد يشي بأن الإضرابات قد تكون جزءاً من عملية التسخين السياسي قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي تسعى بعض القوى السياسية لتسجيل النقاط ورفع شعبيتها ورصيدها من خلال هذه التحركات، وأصبحت المطالب والاضرابات جزءا من الحملة الدعائية الانتخابية بامتياز.

طبيعة وشكل نقابة المعلمين يجب أن تتحدد من خلال الحوار الوطني الذي تشترك فيه الأطراف كافة. ويكون لأهالي الطلبة رأي فيه. وكذلك يجب استحضار تجربة تسييس النقابات وإلزامية العضوية في النقابات المهنية.

لا شك أن من حق المعلم أن يمارس نشاطه الحزبي، ولكن لا يوجد دولة تسمح للمعلمين بممارسة العمل الحزبي على الطلاب، وكذلك فإن إلزامية العضوية سوف تفتح المجال واسعاً لأقلية من المعلمين لأن يسيطروا على مجريات النقابة وأنشطتها بحيث يصبح تسييس العملية التربوية أمراً واقعاً، ما يثير حساسية رسمية وشعبية على حد سواء.

قد يكون أحد حلول إشكالية عدم دستورية نقابة المعلمين، هو بإقامة نقابات لا نقابة، يكون الأساس فيها ليس مهنة التعليم فقط وإنما تقوم على التخصص؛ فمثلاً يكون لدينا نقابة لمدرسي الرياضيات ونقابة لمدرسي اللغة العربية وهكذا لكل تخصص أو لمجموعة من التخصصات المتقاربة.

هذا المقترح قد يشكل مخرجاً للإشكالية الدستورية بعدم جواز نقابة للمعلمين وبالوقت نفسه يحقق المطالب المشروعة للمعلمين. والمقترح الآخر الأسرع والأسلم هو إنشاء نقابة للمعلمين تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات العمال.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018