نشرب الكبريت ونبتهل للحكومة

د. مهند مبيضين

 

يعاني سكان تجمع قرى العمر والحمايدة في قضاء الموجب من ارتفاع نسبة الكبريت في الماء التي تسبب لهم أمراضا في الكلى والأمعاء والكبد وفي الأسنان التي سقطت وتلفت عند نسبة كبيرة منهم.

الأزمة هناك حملتها النائب ثروت العمر إلى المسؤولين، وحاولت بشكل جاد أن تصل بالمسؤول إلى درجة من الإحساس بأن ثمة مواطنين يشربون الكبريت مع الماء، لكن لا جدوى حتى الآن لذلك السعي، وقد تكون أحدثت حلولا مؤقتة بحفر بئر هنا أو هناك.

يوم حاول رئيس الحكومة تجاوز عقدة التواصل مع الأطراف، وهي العقدة التي ما تزال ماثلة، وصل لمنطقة الموجب والتقى السكان، حينها طرحت مشكلة "المياه المكبرتة" عليه، فوعد بحلها خلال شهر من زياراته، طارحا مبادرة يومها تسهم الرئاسة بموجبها بمبلغ ستمائة ألف دينار ووزارة التخطيط بمبلغ خمسمائة ألف دينار لإقامة خزان مائي جديد، إلا أن شيئا من ذلك الوعد لم يتحقق.

الرئيس يومها  قال: "إنه لا يمكن أن نقبل أن يشرب أبناؤنا وأطفالنا الكبريت..". وشدد في تلك الزيارة على أن تواصله مع الناس "ليس من باب المجاملة". ومنذ ذلك اليوم وعلى أرض الواقع ليس من جديد إلا المزيد من الكبريت الذي يهلك الحرث والنسل.

هذه الواقعة تذكر بأن مصير أزمة قرى العمر والحمايدة قد تلقى مصير قرية الطيبة، فالمزيد من التجاهل كان سببا في بطء تنفيذ الحلول، فمحافظ الكرك كان قد خاطب المسؤولين قبل ستة أشهر من مشكلة الطيبة، بيد أن الفارق في قضية الكبريت في مياه قرى العمر والحمايدة أن الرئيس تبنى حلها مباشرة، وليس وزيرا أو متصرفا.

الأجواء في تلك القرى متوترة والناس، إن صبروا لشهر أو عام بانتظار تحقيق وعد الرئيس، فإنهم لن يصبروا للأبد، وما التوتر اليومي الذي نشهده هناك ويتمظهر في صورة عنف ظاهره صدامات عائلية أو خلافات مع الشرطة، إلا أحد تجليات ذلك التجاهل المرعب الذي يعيه الناس ونتائجه في صحتهم وساعتها لن ينفع الدرك في استدراك الأخطاء ومنع العنف.

نُخب عمان بعضها يبدو أنه لا يعبأ بما يجري بالأطراف بقدر ما يعبأ بمصير الرئيس، فصالوناتها مشغولة بسجال حول مصير الحكومة غدا محصورا بين التعديل، والتعديل الموسع وإعادة التشكيل. ومع أننا ندرك أن الحكومة لا تملك حلولا سحرية، لكننا لا نحب أن تنكص عن وعودها من دون سعي مقنع لحل المشاكل.

أهدتنا الحكومة ما لا تنجزه أي حكومة، جعلت الملك يتدخل لحسم أكثر من قضية فشلت فيها، وأنجزت عجزا بقيمة تسعمائة مليون دينار، وتحضر للاقتراض من البنك الدولي، ورفعت أسعار الكهرباء، وفقدت السيطرة على الأسواق، وإذ كنا نقول إنها مثقلة بوزراء بعينهم في الخدمات، فإنها اليوم تفتقد لرؤية وفريق اقتصادي يستطيع ان يوفر موارد للخزينة أو يدير تداعيات الأزمة المالية العالمية باقتدار.

خلاصة الحال، في قضاء الموجب، قرى العمر والحمايدة، أننا اليوم أمام إخفاق الرئيس في تحقيق ما وعد به، وعليه فإن نقد الحكومة ليس جراء بطالة نخب، وأن ما يجري من توتر في المحافظات ما هو إلا نتيجة للفشل في التنمية والفقر وعجز الحكومات عن تلبية مطالب الناس والتواصل معهم بما يليق بهم والصدق معهم، وبالتالي فإن الإخفاق اليوم اقتصاديا وخدماتياً لم يعد عبئا على الحكومة، بل على الوطن وأمنه المجتمعي.

Mohannad.almubaidin@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018