غسل العار

 

من المعين ذاته الذي يغرف منه قاتل شقيقته لـ"ضرورات" غسل العار، يغرف الذي يطلب فحص العذرية كشرط للخطبة أو الزواج. ومن المعين نفسه ينهل أولئك الذي يقتتلون في الجامعات ويستخدمون الرصاص الحي لأن "زميلا" مارقا احتل مقعد أحدهم في المحاضرة، أو لأن شخصا ما غازل فتاة ترتبط بهم بقرابة من الدرجة الألف..

إنه المعين عينه الذي يجعل شخصية دينية في موقع مرموق ترفض الإجابة عن سؤال فقهي لأن السائلة أنثى، بل إنه يعتقد أن سؤالها من علامات يوم القيامة.

إن ثمة تماسا بيّنا بينونة كبرى، بين ذلك المعين ونظيره الذي يدفع مصمم ملابس إلى ابتكار نقاب بعين واحدة من أجل إغلاق كل المنافذ إلى "هيكل" المرأة الخارجي، لأن إظهار عينين اثنتين يندرج في إطار العورة، والعورة "مؤنث" العار الذي يهبّ الفتية الطائشون إلى غسله وتطهيره من الدنس، بمباركة وجهاء العائلة وكبارها ورجالها ونسائها وأطفالها..

إن في غسل العار طقوسا وثنية تتلذذ في سفك الدم وتمزيق الأشلاء ونحر العنق وتقطيع الأوصال.. كل ذلك لأن فتاة اشتبه ذَكرُ العائلة الأغرّ أن سلوكها ينمّ عن ريبة أو ينبئ بفاحشة، فيما أثبت الطب الشرعي أن غالبية الضحايا اللائي قتلن تحت ما أضحى يعرف بـ"جرائم الشرف" كنّ عذراوات.

فبأي ذنب تقتل النساء، ويسيجن بأرتال القماش السميك حتى ليَسمح لعين واحدة أن ترى، إن كان مسموحا لها أن ترى غير جدران المنزل الكئيب الأشبه بسجن..؟

وبأي ذنب يطلب شاب من خطيبته فحص العذرية، وهو الذي لم يترك فاحشة إلا اقترفها، ولم يسجل في تاريخه أنه كان صادقا أو ملتزما أو مخلصا بعمل أو صداقة، أو أنه كان نزيها في شيء.. وأي انحطاط تُساق إليه بناتنا وأخواتنا وقريباتنا.. وأية مذلة يُراد لهنّ أن يتمرغن في وحلها وهنّ يقفن أمام طبيب يبشّرهنّ بأنهن عذراوات، وأن الشيطان الرجيم لم يقرب فروجهن؟!

فمن الذي يتعين عليه أن يغسل عاره، إذن؟

على المجتمع الذي يصمت على القتل المنهجي المبارك لفتياته ونسائه أن يغسل عار تخلفه، وأن يعلم أنه بقتله البريئات إنما يتنكر لإنسانيته، ويغرس نصل الموت في أحشاء قلبه، فالفتاة التي تئن بصوتها المجروح وتتوسل شقيقها أن يسمع روايتها قبل أن يبقر بطنها، ستظل لعنتها تطارد الجناة ومن والاهم إلى يوم الدين!

إن السكاكين المشهرة لقتل البريئات سكاكين جبانة حركتها نفوس جبانة في مجتمع جبانٌ كلُ من أغمض عينيه فيه على هذا الذبح المتواصل لنصف المجتمع، بل نصف العالم، وكل المعنى.

أما اللائي قادتهن خياراتهن الحمقاء إلى التورط في ممارسات غير قانونية، فثمة قضاء يتعين أن ينظر في أوضاعهن، رغم ما في هذا القضاء من مواد تخفيفية تشجع الجناة على ارتكاب جرائمهم والخروج في صورة المنتصر المقدام الذي حرر الأندلس..

فبأي منطق تُقتل فتاة لأنها ارتكبت "الفاحشة!!"، بينما لا يقتل الذي يبيع مواد غذائية فاسدة، أو يسوق مواد للاستهلاك البشري مع أنها للحيوانات، أو أنها غير مكتملة الأجنة؟

ولماذا لا يقتل الفاسد الذي يسرق أموال الناس ويبني بها القصور والفلل والمزارع؟ ولماذا لا يقتل المرتشي، أو الخائن، أو الجاسوس، أو مهرب المخدرات.. أليست كلها جرائم أشد فظاعة وأثرا من النظر من ثقب الفضيلة المبجلة إلى فتاة شاهدها شقيقها الهمام تترجل من سيارة تاكسي في وضح الظهيرة؟

تلك أسئلة كنتُ طرحتها طوال أكثر من خمسة عشر عاما، في سياقات مشابهة لما نحن فيه الآن من تآكل مرعب في المفاهيم والقيم والأولويات.. وكنتُ ناديتُ اتحادات النساء ومنظمات المجتمع المدني، وسائر الحرائر والأحرار كي يهبوا لإنقاذ الأنوثة من الفناء المجاني الأرعن.. ولكن لا حياة لمن تنادي!

m.barhouma@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018