مفاجأة المفاوضات السورية الإسرائيلية

نشرت صحيفة هارتس الاسرائيلية مقالا للكاتب عكيفا الدار (21/5/2008) افاد بأنه نتيجة لاجتماعات سرية عقدت في اوروبا خلال الفترة من ايلول 2004 حتى تموز 2006 بين سوريين واسرائيليين, تم التوصل الى "اتفاق سلام" بين اسرائيل وسورية, وان اهم بنود التفاهم هي:

1- يتم التوقيع على اتفاق مبادئ بين البلدين, وبعد الوفاء بكل الالتزامات يتم التوقيع على اتفاق سلام.

2- كجزء من الاتفاق على المبادئ، تنسحب اسرائيل من هضبة الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967، وقد بقي الجدول الزمني لتنفيذ الانسحاب مفتوحا: فبينما طلبت سورية ان يتم الانسحاب خلال فترة خمس سنوات, طلبت اسرائيل خمس عشرة سنة لإتمام الانسحاب.

3- في منطقة الحماية على طول ساحل بحيرة كنيرت "اي طبريا" يتم انشاء متنزه للاستخدام المشترك الاسرائيلي السوري. ويغطي هذا المتنزه مساحة هامة من هضبة الجولان. وسيكون للاسرائيليين الحق في الدخول للمتنزه ولن يكون تواجدهم فيه مرهونا بالموافقة السورية.

وبحسب الخارطة التي نشرت ضمن المقال يمتد المتنزه من اقصى الجنوب بمحاذاة الحدود السورية الاردنية وبمحاذاة نهر اليرموك، ويمتد شمالا على مسافة قريبة جدا غربي القنيطرة، ويواصل الامتداد شمالا حتى الحدود اللبنانية, وبحسب الخارطة يغطي المتنزه معظم هضبة الجولان.

4- تحتفظ اسرائيل بحق السيطرة على استخدام مياه نهر الاردن وبحيرة طبريا.

5- يتم تخفيض القوات المسلحة على جانبي الحدود بنسبة1-4 لصالح اسرائيل، اي ان الارض السورية المحاذية للحدود المنزوعة السلاح ستكون اربعة اضعاف المساحة المماثلة على الجانب الاسرائيلي.

6- وبموجب الشروط توافق سورية على انهاء دعمها لكل من حزب الله وحماس, وتوافق على الابتعاد عن ايران.

هذه هي بنود الاتفاق التي تصفها الصحيفة بأنها "لا ورقة" وانها مجرد وثيقة تفاهم وغير موقعة وليست لها قوة قانونية وان طبيعتها سياسية، وانها اعدت في آب 2005 وجرى بعد ذلك تحديثها خلال اجتماعات عقدت في اوروبا بمعرفة مسؤولين كبار في حكومة شارون, وان آخر اللقاءات تم خلال الحرب على لبنان صيف عام 2006 كما ذكر ان فاروق الشرع ووليد المعلم شاركا في تلك اللقاءات.(نشرت هارتس الوثيقة الكاملة في ملحق للمقال).

وفي نفس العدد نشرت الجريدة ان محادثات سورية اسرائيلية بدأت في انقرة برعاية تركية. وقد تأكد ذلك عبر تصريحات رسمية سورية واسرائيلية.

كانت قد ترددت انباء نهاية شهر نيسان الفائت عن ان رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود اولمرت ابلغ أردوغان, رئيس الوزراء التركي, باستعداد اسرائيل للانسحاب الكامل من هضبة الجولان مقابل السلام مع سورية. ونشرت صحيفة الوطن السورية(في حينه 23/4/2008) ان رئيس الوزراء التركي اردوغان ابلغ سورية استعداد اسرائيل بذلك، اي استعداد اسرائيل الانسحاب الكامل من هضبة الجولان، دون ان تتأكد هذه الانباء رسميا في اسرائيل, ومع العلم انها لم تكن المرة الاولى لصدور تسريبات تعبر عن نية الانسحاب الكامل.

بطبيعة الحال نلحظ تناقضا واضحا بين الوثيقة المسماة "Non paper" المشار اليها في مقدمة هذا المقال والتي تدعي بموافقة سورية على تحويل معظم هضبة الجولان الى متنزه مشترك اسرائيلي سوري, بالاضافة لمنطقة حماية معزولة السلاح فهي القليل الذي يتبقى من الجولان وعلى ارض سورية اخرى بمحاذاة ذلك, نلحظ تناقضا واضحا بين هذه الوثيقة والعرض الاسرائيلي بالانسحاب الكامل. هل يُعقل ان تقدم اسرائيل لسورية اكثر مما تطالب سورية به, او تكون قد قبلت به؟

واذا كان قد تم الاتفاق بالفعل على الترتيبات التي تضمنتها الوثيقة بين الجانبين، فلماذا يعرض الانسحاب الكامل من جديد، ولماذا التفاوض من جديد على ما تم الاتفاق بشأنه.

لأن الاعلان عن هذه المفاوضات فاجأ الكثيرين، كما يبدو، فهنالك تفسيرات متعددة لهذه الخطوة. بعض الرسميين الاسرائيليين شككوا في أهليّة أولمرت في الخوض بمفاوضات بهذه الاهمية بينما هو يتعرض لتحقيقات في قضايا فساد مالي جعلت وضعه السياسي معلقا بانتظار ما ستسفر عنه هذه التحقيقات. واتهمه بعضهم بأنه يهدف لصرف النظر عن ما يواجه من مشاكل بفتح مسار المفاوضات مع سورية.

ومن الطبيعي ان يضاف لذلك عامل آخر له علاقة بصرف النظر ايضا, ولكن عن فشل حدوث اي تقدم على المسار الفلسطيني, فمن الواضح ان المحادثات مع الفلسطينيين قد وصلت الى طريق مسدود, كما من الواضح ان مسؤولية العرقلة تقع بكاملها على كاهل الاسرائيليين, ولذلك فقد يكون هذا التحوّل المفاجئ باتجاه سورية هو احد مناورات صرف الانظار.

يعزز ذلك رد الفعل الاميركي الفاتر على هذه المحادثات فقد نسب لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ان المسار الفلسطيني هو الانضج ما يؤكد ادراك واشنطن ان التحول باتجاه دمشق يهدف الى التحلل من مسؤولية التركيز على المسار الفلسطيني.

ولكن, وإزاء كل ذلك ما هي الحصيلة المنتظرة؟

لايمكن ان تكون "اللاورقة" والبنود المزعومة فيها مقبولة لسورية. وعلى الأرجح انها من ضمن بالونات الاختبار المعروفة. وقد تكون اسرائيل طرحتها بالفعل في بعض اللقاءات الماضية ولكن ذلك لا يعني قبول الجانب السوري بها بأي شكل, او انها ستكون اساسا للتفاوض.

من ناحية اخرى قد لا يكون من السهل تصديق ما يتم تناقله من ان اسرائيل وعدت بالانسحاب الكامل من الجولان. فليس من عادة اسرائيل ان تعلن عن نواياها مسبقا وقبل التفاوض حتى لو كان ذلك هو موقفها النهائي او قريبا منه, واذا كانت قد وعدت فقد لا يكون وعدها صادقا.

ومن ناحية ثالثة فقد لا تكون واشنطن مرتاحة بالفعل لنجاح اية محادثات بين سورية واسرائيل لان من شأن ذلك ان يرفع الكثير من الضغوط عن سورية في الوقت الذي لم يحن الوقت لذلك في واشنطن, وفي الوقت الذي يتزامن مع الاتفاق اللبناني في الدوحة الذي يعني بالتأكيد تخفيف الضغط عن سورية وعن حزب الله الذي حقق مكاسب سياسية ودستورية وسيكون ممثلا تمثيلا كبيرا في حكومة الوحدة الوطنية القادمة.

إذن؛ ستطول المفاوضات, ولدى اسرائيل الخبرة النادرة في ادامة المفاوضات الى ما لانهاية دون التوصل لنتائج هي على الأرجح مفاوضات لأجل المفاوضات, وآخر ما تهدف له هو التسوية والسلام.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017