هل فقد العرب حيويتهم الثقافية ؟ وهل يستطيع العرب التفكير ?


     من عبد الله العروي في " الإيديولوجيا العربية المعاصرة ، 1970 " إلى خلدون حسن النقيب في كتابه " آراء في فقه التخلف ، دار الساقي ، 2002 " والهاجس هو نفسه : كيف يمكن تجاوز ثقافة التخلف باتجاه الحداثة الكونية ؟

وعلى طول المسافة الممتدة من بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم إلى بداية الألفية الجديدة ، ظل المثقف العربي يهجس بالتخلف ويهاجم التقليد ، وفي هذا السياق قام العروي بتوصيف ثقافة المجتمع العربي التقليدي ، واصفاً إياها بأنها ثقافة مجتمع ميت وأنها ثقافة الانشطار الداخلي وثقافة استهلاك وتمتع .


     كان هجوم العروي على القيم التقليدية قد لاقى ترحاباً في أوساط المثقفين العرب الثوريين ، فقد وفر لهم هذا الهجوم غطاءًَ وبرر لهم هجمتهم الشرسة على التراث وكذلك نزعتهم الذاتية والانتقائية في التعامل معه .

ولكنه ـ أي هذا الهجوم ـ لم يحل بينهم وبين الوقوع في براثن ايديولوجيا الإحباط التي تعشش في أروقة الخطاب العربي المعاصر والتي يشتكي منها محمد عابد الجابري في بحثه عن آفاق المشروع النهضوي العربي ، وكذلك محمد جابر الأنصاري في نقده للهزيمة ومساءلته إياها ، وهذا ما يعترف به خلدون حسن النقيب على استحياء في تقريره عن ثقافة التخلف .

فهناك إقرار واضح بأن ايديولوجيا الإحباط تحايث الخطاب العربي المعاصر دافعة إياه باستمرار إلى عنق الزجاجة ، وإلى الهروب إلى الأمام بإيثار الشتيمة بدلاً من التفكير ، والاستسلام لإرادة عدم المعرفة بدلاً من الركون إلى إرادة المعرفة .


    في كتابه " آراء في فقه التخلف " يعترف خلدون حسن النقيب بأن عمله في نقد ظاهرة التخلف وثقافة التخلف بوجه أخص ، يترافق مع شيء من ايديولوجيا الإحباط ، ولكنه يعترف بأن ذلك بمثابة نتيجة لظاهرة التخلف التي باتت عصية على الاختراق وكأنها وسم يسم ثقافتنا المعاصرة التي تدين بمرجعيتها لا إلى الحداثة ، بل إلى التقليد .


    يميز النقيب بين تخلف الثقافة وثقافة التخلف ، الأولى يمكن استدراكها من خلال اللحاق بركب الحداثة والثقافة الإنسانية إذا ما توافرت لذلك الإرادة والرؤية المستقبلية . أما ثقافة التخلف فهي مراوحة في المكان والزمان وكأننا خارج التاريخ وخارج عصر العولمة .

فمع ثقافة التخلف يسود الجهل والاستبداد والقبول بالذل ويغيب العلم والحرية ، وهذا ما يفسر من وجهة نظر النقيب هذا العداء للديمقراطية في أوساط ثقافة التخلف والقبول بالاستبداد باعتباره العلامة الفارقة للمجتمعات المنطوية على نفسها .

 من هنا يمكن القول إن العلامة الفارقة لثقافة التخلف هي تخلف الفكر الذي يظهر على مستويين ، الأول : غياب الإرادة السياسية والثاني انعدام رؤية مستقبلية .


     يؤكد النقيب أن التخلف ليس ضعفاً في جهود التنمية وإنما هو تأخر وارتكاس ، وهنا يحلو وصف التخلف العربي بـ " التخلف الخالص المحض " الذي يكاد أن يكون بمثابة العلامة الفارقة التي تعاني منها الدولة والمجتمع العربيان .

هذا التخلف الخالص المحض يظهر عند النقيب و كأنه مصادرة لكل مشروع نهضوي .

فما يقلقه هو تلك الخاصية الذاتية للتخلف العربي والتي تتمثل بكونه " ظاهرة متصلة " وهذا ما يفزع في بداية الألفية الجديدة ، بحيث نظهر وكأننا ـ أي العرب ـ نسير في الاتجاه المعاكس، أي من النهضة إلى الردة .


     لا نهضة بدون عقل ناهض ، هذا ما يقودنا إليه الجابري والأنصاري والنقيب .

 من هنا نستطيع أن نفسر هذا الهجوم على القيم التقليدية التي تشكل متناً في ثقافة التخلف كما يرى النقيب ، ونفسر اعتماده في توصيفه لثقافة المجتمع العربي بأنها ثقافة مجتمع ميت ، وثناؤه على جهود التنويريين العرب المعاصرين الذين تحدوا التقليد العربي في عقر داره .


      بالرغم من ثناء النقيب على المثقفين العرب التنويريين إلا أنه لا يبدو متفائلاً ولا مؤمناً بدورهم . فهو يقر بأن " المثقف العربي مثقف قبلي " يمارس قبليته الفكرية في كل مكان ، وأن العرب فقدوا حيويتهم الثقافية وهذا ما يعبر عنه في تساؤلين اثنين : هل فقد العرب حيويتهم الثقافية ؟ وهل يستطيع العرب التفكير ؟.


      يلحظ القارئ أن التساؤل الثاني هو بمثابة مصادرة على التساؤل الأول ، وأنه ـ أي الثاني ـ يغرف من ايديولوجيا الإحباط التي أصابت عند النقيب مقتلاً في توصيفه للتخلف الخالص المحض .


     لا يترك لنا النقيب ملجأً آمناً نلجأ إليه ، فالمثقفون قبليون ، وثقافة التخلف تقودنا وتدفعنا إلى ثقافة الذل ، وعصر العولمة يتوعدنا كما يرى بمزيد من الانسحاق والعبودية الجديدة .فإلى أين المفر ؟ إلى شعارات المجتمع المدني التي يرفعها عدد كبير من المثقفين العرب ، فهذه من وجهة نظره ليست إلا وهماً إذ لا وجود لمجتمع مدني من وجهة نظره ، بل مجتمع أهلي تخترقه ثقافة الذل والتخلف .


     وفي رأيي أن النقيب لا يأتي بالجديد في توصيفه لثقافة المجتمع العربي بأنها ثقافة تخلف وانها ثقافة مجتمع ميت ، فهذه التوصيفات على وجاهتها في العقود المنصرمة من القرن المنصرم لم تساعد على انتشالنا من وهدة التخلف ، ومن ايديولوجيا الإحباط التي باتت قاسماً مشتركاً للكثير من الكتابات النخبوية ، وفي رأيي أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو : هل ما زال يكفي اهتداؤنا إلى تخلفنا ليكون بمثابة طوق نجاة لنا ؟.


    إن ما يقلق بحق هو طغيان مبدأ الشتيمة على الكتابات التي تقوم بتوصيف حالة المجتمع العربي ، وهذا يظل شاهداً على استقالة العقل وغياب الإرادة وغياب الحفريات الدقيقة في قيمنا وتراثنا التقليدي والتي من شأنها أن تكشف عن جذور عطالتنا التاريخية ، أضف إلى ذلك أن النقيب يجعل من القيم التقليدية جرثومة تخلف أبدي تحول دون ولوجنا سقف التاريخ أو العبور إلى ممره الجبلي الضيق بحسب توصيف فوكوياما لممرات سقف التاريخ .


    نعم ، إن وعي التخلف هو شرط لتجاوز التخلف كما يرى الأنصاري في " مساءلة الهزيمة ، 2001" وبالتالي الانفتاح على آفاق الحداثة ، ولكن النقيب يجعل من التخلف العربي الخالص والمحض جداراً وسوراً تتحطم عليه كل إرادة وبذلك يدفعنا باستمرار إلى عنق الزجاجة دون أن نتمكن من الخروج منها ؟.


كاتب سوري

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018